الشارح: «أمّا» الإجماعُ «السكوتيُ» بأن يقولَ بعضُ المجتهدين حُكمًا ويَسكُتَ الباقونَ عنهُ بَعدَ العِلم به، إلى آخر ما سيأتي في صورته: «فثالِثُها» أي الأقوالِ فيه: «أنّه «حُجةٌ لا إجماعٌ» ». وثانيها: «أنه حجةٌ وإجماعٌ لأن السكوت العلماء في مثل ذلك يُظنُّ منهُ الموافقةُ عادةً» .
ونفى الثالثُ اسم «الإجماعَ» لاختصاص مطلقه عندَهُ بالقطعي، أي المقطوع فيه بالموافقة بخلاف الثاني، كما سيأتي.
وأولُها: «ليس بِحجةٍ ولا إجْماعٍ لاحتمالِ السُكوتِ لغير الْموافقَةَ كالْخوف والْمهَابَةِ والتردُّدِ في المسألة» . ونُسبَ هذا القولُ للشافعي أخْذًا من قوله: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولٌ» .
المحشي: قوله «بعد العِلمِ به إلى آخر ما سيأتي» أي مِن كَوْنِ السكوتِ مُجرَّدًا عن أمارةِ رضى وسخطٍ، ومن مضيِّ مُهلَةِ النَظرِ عادةً، وكون المسألة اجتهاديةً، وتكليفيةً. فالمراد بالعلم ما يَشمَلُ الظنَّ.
قوله «لاختصاص مطلقِهِ» أي مُطلقِ اسم الإجماع كما صَرَّح به بعدُ.
الشارح: «ورابعُها» : «أنه حجةٌ «بشرطِ الانقراض» لأمْنِ ظهور المخالَفَةِ بَينَهمُ بَعدَهُ بخلافِ ما قبله».
المحشي: قوله «ونُسِبَ هذا القولُ للشافعي» الناسبُ له القاضي أبو بكر حيثُ اختارهُ، ونَقَلَهُ عن الشافعي، وقال: «إنه آخرُ أقواله» .
قوله «أخْذًا من قوله» أي الشافعي: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولٌ» ، أُوْرِدَ عليه بأنّ الشافعي استدلّ في مواضعَ بالإجماعِ السُكوتي؟ وأجيبَ بأنّا لا نُسِلُم إنّه استَدَلَّ فيها به فَقَط، بل بهِ مَعَ ظهور قرينةِ الرِضى مَن الساكتين.
صاحب المتن: وقال ابنُ أبي هريرة: «إنْ كان فُتيا» ، وأبو إسحاق المروزي: «عكسُه» ، وقومٌ: «إنْ وقع فيما يفوتُ استدراكُه» ، وقومٌ: «وفي عصرِ الصحابةِ» ، وقومٌ: «إنْ كان الساكتون أقلَّ»
الشارح: «وقال ابنُ أبي هريرة» : «إنّه حجةٌ «إن كان فَتيًا» لا حكمًا لأنّ الفتيا يُبحَث فيها عادةً فالسكوتُ عنها رضًا بخلاف الحُكم».
«و» قال «أبو إسحق المروزي: «عكسَهُ» أي إنّه حُجةٌ إنْ كانَ حُكْمًا لِصُدورهِ عادةً بعدَ البحثِ مع العلماء واتفاقِهم بخلاف الفُتيَا».
«و» قال «قومٌ» : «إنه حجةٌ «إنْ وقَع فيما يَفوتُ استدراكُه» كإراقةِ دمٍ واستباحةِ فرجٍ، لأنَّ ذلك لخطرِه لا يسكُتُ عنه إلا راضٍ به بخلافِ غيرهِ»
«وَ» قال «قَومٌ» : «إنه حجةٌ إن وَقعَ «في عَصر الصحابةِ» لأنّهم لِشدَّتِهم في الدين لا يسكتون عما لا يَرْضَوْنَ به بِخلاف غيرهم فقد يسكتون»، «وَ» قالَ «قومٌ» : «إنه حجةٌ «إنْ كانَ الساكتونَ أقلَّ» من القائلين نظرًا للأكثرِ»، وهو قولُ مَن قال: «إن مخالَفةَ الأقَلِّ لا تضُرُّ» .
صاحب المتن: والصحيحُ حجةٌ، وفي تسميتِه إجماعًا خُلفٌ لفظي، وفي كونِه إجماعًا تَردُّدٌ مَثارُه: أنَّ السكوتَ المجرَّدَ عن أمارةِ رضًا وسخطٍ مع بُلوغِ الكلِّ، ومُضيِّ مُهلةِ النَّظرِ عادةً عن مسألةٍ اجتهاديةٍ تكليفيةٍ هل يَغلب ظنَّ الموافقة؟
الشارح: «والصحيحُ» أنّهُ «حجّةٌ» مُطلقًا، وهو ما اتّفَقَ عليه القولُ الثاني والثالثُ.
وقال الرافعي: «إنّهُ المشهورُ عند أصحابنا. قال: وهل هو إجماع؟ فيه وجهان» .
«وفي تسميتِهِ إجماعًا خُلفٌ لَفظيٌ» وهو ما اختلف فيه القولُ الثاني والثالثُ.
قيل: «لا يسمى لاختصاص مطلقِ اسم الإجماع بالقطعي أي المقطوع به» ، وقيل: «يُسمى لشمولِ الاسم له، وإنما يُقيَّدُ بـ «السكوتي» لانصراف المطلقِ إلى غيرهِ».
«وفي كونِهِ إجماعًا» حقيقةً «ترَدُّدٌ مثارُه: أنَّ السكوتَ المُجرَّدَ عن أمَارَةِ رضىً وسَخَطٍ معَ بُلوغِ الكُلِّ» أي كلِّ المجتهدين الواقعةُ «ومُضيِّ مُهلَةِ النَظرِ عادةً عن مسألَةٍ اجتهاديةٍ تكليفية» قال فيها بعضُهم بحُكمٍ وعَلِمَ بهِ الساكتون-وهو صورةُ السُّكوتي- «هل يَغلُبُ ظنُّ الموافَقَةِ» أي موافقةُ الساكتين للقائلين؟
المحشي: قوله «لِشُمولِ الاسم لَهُ» رَدٌّ على القائلِ بأنّه لا يُسمى إجماعًا.