ومثل ذلك يجري في قوله:» و قال غيره «: أي كالشافعي ومالك:» نقل الربا شرعًا إلى العقد «، فيقال في ترجيح النقل على الإضمار، مع أنّ الراجح عكسه، رُجِّحَ لا لكونه نقلًا، بل لمرجّح خاص، وهو تنظير الربا بالبيع في قوله تعالى حكاية على الكفّار: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) البقرة: 275 فإنّه ظاهر في العقد، ولهذا ردّ عليهم بقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) البقرة: 275 وإنّما يطابقه بحمل الربا فيه على العقد، ومثل ذلك أيضًا يجري في تعارض التخصيص والمجاز الآتي في قوله تعالى: (وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الأنعام: 121.
صاحب المتن: والتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنْهُمَا.
الشارح:» والتخصيص أولى منهما «: أي من المجاز والنقل، فإذا احتمل الكلام لأنْ يكون فيه تخصيص ومجاز، أو تخصيص ونقل، فحمله على التخصيص أولى، أمّا في الأول: فلتعين الباقي من العام بعد التخصيص، بخلاف المجاز، فإنّه قد لا يتعيّن بأنّ يتعدد ولا قرينة تعيّن، وأماّ في الثاني: فلسلامة التخصيص من نسخ المعنى الأول، بخلاف النقل.
مثال الأول قوله تعالى: (وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الأنعام: 121 فقال الحنفي: أي مما لم يتلفظ بالتسمية عند ذبحه، وخص منه الناسي لها فتحلّ ذبيحته، وقال غيره: أي ممّا لم يذبح، تعبيرًا عن الذبح بما يقارنه غالبًا من التسمية، فلا تحلّ ذبيحة المتعمّد، لتركها على الأول دون الثاني. ومثال الثاني قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) البقرة: 275 فقيل: هو المبادلة مطلقًا، وخص منه الفاسد لعدم حلّه، وقيل: نُقل شرعا إلى المستجمع لشروط الصحة،
المحشي: قوله:» والتخصيص أولى منهما «: أي ومن الاشتراك والإضمار، كما يأتي محلّه في التخصيص في الأعيان، أمّا التخصيص في الأزمان - وهو النسخ - فالأربعة أولى منه، ويفرّق بينهما: بأنّ دلالة ما خصّ في الأول باقية في الجملة، وفي الثاني زائلة بالنّسخ.
قوله:» وقال غيره «أي مما لم يذبح، أَوَّلَه بالميتة، والأنسب تأويل بعضهم: بما ذكر اسم غير الله عليه، أي مما ذبح للأصنام ونحوها، ليطابق قوله تعالى في الآية (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الأنعام: 121،
الشارح: وهما قولان للشافعي، فما شك في استجماعه لها يل ويصح على الأول، لأن الأصل عدم فساده، دون الثاني لأن الأصل عدم استجماعه لها.
ويؤخذ مما تقدم من أولوية التخصيص من المجاز الأولى من الاشتراك، والمساوي للإضمار: أن التخصيص أولى من الاشتراك والإضمار، وأن الإضمار أولى من الاشتراك ومن ذكر المجاز قبل النقل أنّه أولى منه، والكلّ صحيح، ووجه الأخير: سلامة المجاز من نسخ المعنى الأول، بخلاف النقل.
المحشي: و قوله في الآية الأخرى (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الأنعام: 145.
قوله:» ومن ذكر المجاز قبل النقل أنّه أولى منه «، إنّما أخذه من ذكر المجاز قبل النقل، لأنّ المصنّف لم يصرّح بأولوية شيءٌ يؤخذ منها ذلك، بأن يصرّح بأولوية الإضمار المساوي للمجاز على النقل.
الشارح: وقد تمّ بهذه الأربعةِ العشرة التي ذكروها في تعارض ما يخلّ بالفهم، مثال الأول قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) النساء: 22، فقال الحنفي: أي ما وطئوه، لأنّ النكاح حقيقة في الوطء، فيحرم على الشخص مَزْنِيةُ أبيه.
وقال الشافعي: أي ما عقدوا عليه، فلا تحرم، ويلزم الأول الاشتراك، لِمَا ثبت مِن أنّ النكاح حقيقة في العقد، لكثرة استعماله فيه، حتى إنّه لم يرد في القرآن لغيره كما قال الزمخشري، أي في غير محلّ النزاع نحو: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) البقرة: 230، (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) النساء: 3،
المحشي: قوله:» وقد تمّ بهذه الأربعةِ العشرة التي ذكروها «الخ، أي وهي مركّبة من الخمسة التي ذكرها المصنّف أعني: المجاز، والنقل، والاشتراك، والإضمار، والتخصيص، لأنّ كلًا منها يؤخذ مع ما بعده فتبلغ عشرة، وقوله» في تعارض ما