ومنها: القولُ بالموجَبِ.
المحشي: هو بفَتحِ الجيمِ، أي ما اقتضَاهُ الدليلُ ولا يختَصُّ بالقياسِ كما يُعلمَ مِن قولِ المصنِفِ «وشاهدُه الخ» .
صاحب المتن: وهو تسليمُ الدليلِ مع بقاءِ النِّزاعِ كما يُقال في الْمثقَّلِ: «قتلٌ بِما يُقتَلُ غالبًا فلا يُنافِي القصاصَ كالإحراق»
الشارح:» وهو تسليمُ الدليلِ مَعَ بقاءِ النِزاعِ «بل يظهَرُ عدمُ استلزام الدليل لمحلِّ النزاعِ» كما يُقال في «القصاصِ بقتلِ» المثقّلِ «مِن جانب المستدل كالشافعي: «» قتلٌ بِمَا يُقتَلُ غالبًا فلا يُنافِي القِصاصَ كالإحراقِ «بالنار لا يُنافي القصاصَ» .
المحشي: قوله» وهو تسليمُ الدليل «أي مقتضاهُ كما أشارَ إليه الشارحُ بقوله: «بأنْ يَظهرَ ... الخ» . وجعلهُ من القوادح لا يُنافِي تسليمَهُ لأنّهُ لَيسَ المراد تسليمُ الدليلِ على مدعى المستدِلِّ، بل تسليم صحتِهِ على خلافِهِ فهو قادحٌ في العلَّةِ.
واعلم أن ورودَ القول بالموجبَ على ثلاثة أنواع:
الأوّل: أن يُستَنْتَجَ مِن الدليل ما يتوهَّمُ أنّهُ محلّ النِّزاعِ أو ملازِمٌ لهُ ولا يكونُ كذلك ومثَّلَه بقوله: «كما يقال في المثقَّل ... الخ» وإنْ صَلُح أن يكونَ مثالًا للنوع الثاني الآتي أيضًا كما يُشيرُ إليه الشارِحِ بعدُ: «من منافاة القتلِ ... الخ» .
الثاني: أنْ يُستَنْتَجَ إبطالُ أمرٍ يُتوهَمُ أنّهُ مأخَذُ مَذهبِ الخَصمِ، والخصمُ يمنَعُ كَوْنَهُ مأخذَهُ، ولا يَلزمُ مِن إبطالِهِ إبطالُ مذهبِهِ. ومَثَّل لهُ بقوله: «وكما يُقال: التَفاوُتُ ... الخ» .
الثالث: أنْ يَسكُتَ عن مُقدِّمةٍ صُغرى غيرِ مَشْهُودَةٍ وهو ما ذَكَرهُ بقوله: «ورُبَّمَا سَكَتَ ... الخ» .
صاحب المتن: فيُقالُ: «سلمنا عدمَ المنافاةِ، ولكن لِمَ قلتَ يقتضيهِ؟» وكما يقال: «التفاوتُ في الوسيلةِ لا يَمنعُ القصاصَ كالمتوسلِ إليه» ، مسلمٌ لكن لا يلزمُ من إبطالِ مانعٍ انتفاءُ الموانعِ ووجودِ الشرائطِ والمقتضِي».
الشارح:» فيُقال «من جانبِ المعترض كالحنفي: «» سَلَمْنَا عدمَ المنافاةِ «بيْنَ القتْل بالمُثقَّلِ وبَيْنَ القصاصِ» ولكنْ لمَ قُلتَ «إنّ القتلَ بالمثقلِ» يَقْتَضِيه «أي القِصاصَ وذلك محلُ النزاعِ ولم يستلزمه الدليل» .
» وكما يقال «في القصاصَ بالقتل بالمثقل أيضًا: «» التفاوت في الوسيلة «من آلات القتل وغيره» لا يَمنع القصاصَ كالمتوسل إليه «في قتلٍ وقطعٍ وغيرهما لا يَمنعُ تفاوتُه القصاصَ» » فيقال «من جانب المعترض: «» مسلمٌ «أن التفاوت من الوسيلة لا يمنع القصاصَ فليس بمانع منه،» و «لكن» لا يلزم من إبطال مانعٍ انتفاءُ الموانع ووجودُ الشرائطِ والمقتضي «وثبوتُ القصاصِ متوقفٌ على جميع ذلك» .
المحشي: قوله» من منافاة القتل بالمثقل للقصاص «فسّر به قول المصنف هذا فجعله راجعًا إلى المثال الأول، ولو فسره بقوله «من منع التفاوت في الوسيلة» ليرجع إلى المثال الثاني كان أقرب وموافقًا لكلام غيره.
صاحب المتن: والمختارُ تصديقُ المعترِضِ في قولِه: «ليس هذا مأخذي» .
الشارح:» والمختار تصديق المعترض في قوله «للمستدل: «» ليس هذا «أي الذي نفيته باستدلالك تعريضًا بي من منافاة القتل بالمثقل بالقصاص» مأخذي «في نفي القصاص به، لأن عدالته تَمنعه من الكذب في ذلك. وقيل: «لا يصدق إلا ببيان مأخذٍ آخر لأنه قد يُعانِد بِما قاله» .
» وربَّما سكت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافةَ المنع «لها لو صرَّح بِها» فيَرِدُ «بسكوته عنهما» القولُ بالموجب «كما يقال في اشتراط النية في الوضوء والغسل: «ما هو قربة يشترط فيه النيةُ كالصلاة» ، ويسكتُ عن الصغرى،» وهي «الوضوء والغسل قربة» «، فيقول المعترض: «مسلَّمٌ أنَّ ما هو قربةٌ يشترط فيه النيةُ، ولا يلزم اشتراطُها في الوضوء والغسل» ، فإن صرَّح المستدل بأنَّهما قربة ورَدَ عليه منعُ ذلك، وخرج عن القول بالموجَب.
واحترز بقوله: «غير مشهورةٍ» عن المشهور فهي كالمذكورة فلا يتأتى فيها القول بالموجب.
المحشي: قوله» ولا يلزم اشتراطها في الوضوء والغسل «أي لأن المقدمة الواحدة لا تنتج.