وقوله» كقياس العَميَاءِ على العوراءِ في المَنعِ مِن التضحية «أي احتمال تأثير الفرقِ بينَهما بأنّ العمياءَ تُرشَدُ إلى المرعى الجيدِ فتَرعى فتَسمَن، والعوراء يُوكَلُ أمرُها إلى نَفسِها، وهي ناقصةُ البصَر فلا ترعى حقّ المرعى فيكونُ العَورُ مظنةَ العلاك. وبهذا سقط قولُ العراقي: «وفيهِ نَظرٌ، فالذي يَظهَر أنّ هذا مِن قسم القطعي» .
الشارح:» وَالخَفِيُّ خلافه «وهو ما كان احتمالُ تأثير الفارقِ فيه قَوِيًا كقياسِ القَتْلِ بِمُثقَل على القَتْلِ بمُحدَّدٍ في وُجوبِ القصاصِ، وقد قال أبو حنيفة بعدم وُجُوبه في المثقلِ.
المحشي: قوله» وهو مَا كانَ احتمالُ تَاثير الفارقِ فيه قويًا «أي وكان احتمالُ نفْيِ الفارقِ أَقْوَى منهُ لِيَصِحَّ القياسُ. وقياسُ ما زادَهُ في شرح المختصرِ في الجلي أنْ يُزادَ هنا: «أو ما كانَ احتمالُ تأثير الفارقِ فيه ضعيفًا وليسَ بعيدًا كُلَّ البُعد» .
قوله» وقد قال أبو حنيفة بعَدمِ وُجوبِهِ في المثقل «جعَلَه كشِبِهِ العمد، وفَرَّقَ بينَهُ وبين المحدَّدِ بأن المحدَّدِ» وهو المُفَرِّقُ للأجزاءِ «آلة موضوعةٌ للقتلِ، والمثقل كالعَصَا آلةٌ موضوعةٌ للتأديب بالأَصالَةِ لِعَدم تفريقِ الأجزاءِ. ورُدَّ بأنّ المرادَ بـ «الُمَثقَّلِ المُلحَق بالمحدَّد» ما يَقتُل غالبًا كالحَجَرِ والدَبُوس الكبيرَيْن والتَحريفِ، ونَحوِ هَدْمِ الجدَارِ.
صاحب المتن: قيل: «الجليُّ هذا، والخفيُّ الشَّبَهُ، والواضحُ بينهما»
وقيل: «الجليُّ الأولَى، والواضحُ المساوِي، والخفيُّ الأدونُ» .
الشارح: و» قيلَ: «الجليُ هذا «أي الذي ذكر،» والخفِيُّ الشبهُ، والواضحُ بَيْنَهُمَا».
وَقِيلَ: «الجَلِيُّ «القياسُ» الأَوْلَى «كقياسِ الضَرْبِ على التأفيفِ في التحريم،» والواضِحُ المُسَاوِي «كقياسِ إحراقِ مال اليتيمِ على أَكْلِهِ في التحريم،» والخفيُ: الأَدْوَنُ «كقياسِ التُفاحِ على البُرِّ في باب الربا كما تقدَّمَ» . ثمّ الجليُ على الأوَّلِ يَصّدُق بالأَوْلَى كالمساوي فَلْيَتأمَّلْ.
المحشي: قوله» أي الذي ذكر «أي في تعريفِ الجَليِّ.
قوله» ثمّ الجليُّ على الأوُّلِ .. الخ «قضيتهُ: أنّ الجليَّ على الثاني والثالث لا يصدُق بما قاله وهو كذلك في الثالث لأنّ الجليَّ على الأول أعمُّ منه على الثالث لأنه يتناوله ويتناول الواضح فيه. وأما في الثاني فممنوعٌ لاتحاد تعريفِ الجلي فيه وفي الأول، وعليه فالمراد بالخفي فيهما والواضح في الثاني قياسُ الأَدْوَن، لكنه في الخفي في الثاني أدونُ منه في الواضِحِ.
قوله» كالمساوي «نبَّهَ بهِ حيث لم يَقْلْ: «والمساوي» على أن المساواة هي المعتبرة في ركن القياسِ كما مَرَّ. فالمساوي مَقيسٌ عليهِ، والأولى مقيسٌ، ولَمَّا كان في ذلك دِقَةٌ قال: «فَلْيَتَأمَلْ» .
واعلم أن تفسيرَ المصنف لِلَجليِّ بِما رجَّحَهُ أقعدُ من تفسير العَضُد له تبعًا لابن الحاجب بـ «ما يُقطَعُ فيهِ بنَفْيِ الفارِقِ» فقط.
صاحب المتن: وقياسُ العلةِ: ما صُرِّح فيه بِها وقياسُ الدلالةِ: ما جمع فيه بلازمِها، فأثرِها، فحُكمِها
الشارح:» وقياسُ العِلِة: ما صُرِّحَ فيه بها «كأنْه يُقال: يَحرُمُ النَبيذُ كالخمر للإسكار.
» وقياسُ الدَلالةِ: ما جَمَع فيه بلاَزِهِها فأثرِها فحُكِمْها «الضمائر للعلةِ، وكلٌّ من الثلاثة يَدُلّ عليْها، وكلٌ من الأَخيرين منها دونَ ما قبلهُ كما دلتْ عليه الفاءُ.
مثال الأول: أن يقال: النبيذُ حرام كالخَمْرِ بجامع الرائحة المشتدة وهي لازمة للإسكار.
ومثالُ الثاني: أن يقال: القتلُ بمَثقلٍ يُوجبُ القصاص كالقتل بِمُحدّدٍ بجامع الإثمِ، وهو أثرُ العلةِ التي هي القتلُ العمدُ العدوان.
المحشي: قوله» وقياس العِلة .. الخ «تقسيم للقياس باعتبار علَّيه، وهو قياسُ علته، وقياسُ دلالةٍ، وقياس في معنى الأصل، كما سيأتي في كلامِهِ. وقياس العلة هنا شاملٌ لمِا إذا كانت المناسبةُ في علّته ذاتيةً، وغير ذاتيةٍ. فهو أعمُّ من قياس العلةِ في قولهم: «ولا يصارُ إلى القياس الشبهِ مع إمكانه قياسِ العلةِ» .