فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 434

بالمعنى الأول - أي المأذون فيه - جنس للواجب اتفاقا، وبالمعنى الثاني - أي المخير فيه وهو المشهور- غير جنس له اتفاقا.

«و» الأصح «أنه» أي المباح «غير مأمور به من حيث هو» فليس بواجب ولا مندوب.

المحشي: قوله: «والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب» أي بل هما نوعان لجنس، وهو فعل المكلف الذي تعلق به حكم شرعي، إذ لو كان جنسا للواجب - وهو نوع منه- لاستلزم الواجب المباح، بمعنى المخير فيه، وهو محال. قوله: «وقيل إنه جنس له لأنهما مأذون في فعلهما» الأَوْلَى أن يقال: لأن المباح مأذون في فعله وتحته أنواع، واجب ومندوب ومكروه ومخير فيه، لأنه إنْ منع تركه فواجب، وإلا فإن رجح فعله فمندوب، أو تركه فمكروه، أو سَوَّى بينهما فمخير فيه.

الشارح: وقال الكعبي: إنّه مأمور به، أي واجب، إذ ما من مباح إلا ويتحقق به ترك حرام ما، فيتحقق بالسكوت ترك القذف، وبالسكون ترك القتل، وما يتحقق بالشيء لا يتم إلا به، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما سيأتي، فالمباح واجب، ويأتي ذلك في غيره كالمكروه.

المحشي: قوله: «على السواء» أي حالة كون الواجب، والمباح مستويين في اختصاص كل منهما بقيد.

قوله: «من حيث هو» قيد للقول بأن «المباح غير مأمور به» ، لا لمحلّ الخلاف، كما بيّنه الشارح بَعدُ في تقريره كون الخلاف لفظيا.

قوله: «وقال الكعبي» إلى آخره حاصله أن المباح لا يخرج عن كونه واجبًا، وإنما يخرج عن كونه واجبا معيّنًا إلى كونه واجبا مخيرا، لأن ترك الحرام واجب، وهو يتحقق بالواجب، وبالمندوب، وبالمباح، وبالمكروه.

قال الآمدي وغيره ولا يخلص من دليل الكعبي إلا بمنع أنّ ما لا يتم الواجب إلا به من عقلي أو عادي واجب، وهو مختار ابن الحاجب، قال المصنف في شرح المختصر: «والحق عندنا أن ما لا يتم الواجب المطلق المقدور إلا به واجب مطلقا، وأن ما قاله الكعبي حق باعتبار الجهتين» ، وأشار إليه هنا بقوله: «والخلف لفظي» وقرّره الشارح ببيان الجهتين، هذا مع أن التحقيق في العبارة، عن حال المباح مع ترك الحرام أن يقال: ترك الحرام يحصل عند فعل المباح، لا بفعل المباح، كقول القاضي في الصلاة في الدار المغصوبة: يسقط الفرض عندها لا بها. ويحصل التخلص من دليله، كما يؤخذ من كلام البرماوي.

وشيخنا الكمال ابن همام بأن يقال: لا نسلم أن كل مباح يتحقق به ترك الحرام الذي هو واجب، لأن ترك الحرام هو الكف المكلف به في النهي، كما سيأتي، والكف عن شيء يقتضي أن يقصد، وأن يخطر ذلك الشيء بالبال، فمن لم يقصد الكف عن الشيء، أو فَعَل مباحا مثلا، ولم يخطر بباله الحرام، لم يوجد منه كف، فلا يكون آتيا بترك الحرام، وإن كان غير آثم، فاجتماع ترك الحرام، وفعل المباح، أو غيره مما ذكر، غير لازم، وإذا اجتمعا، فالواجب الكف، لا ما يقارنه من مباح أو غيره، لامتناع تَقوُّم الماهية بفصلين متعاندين، أو فصول متعاندة، ومن ثم امتنع أن يكون للشيء مُميِّزان ذاتيان. وَرُدَّ مذهبه أيضا: بأنه يلزم منه أن يكون كلُّ انتقال عن محرم، من قيام أو قعود أو نوم واجبًا، وهو خرق للإجماع، وبغير ذلك كما ذكره الزركشي في بحره، وبذلك علم أن الخلف معنوي.

صاحب المتن: وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ.

الشارح: «والخلف لفظي» أي راجع إلى اللفظ دون المعنى، فإن الكعبي قد صرح بما يؤخذ من دليله، من أنه غير مأمور به من حيث ذاته، فلم يخالف غيره، ومن أنه مأمور به من حيث ما عرض له، من تحقق ترك الحرام به، وغيره لا يخالفه في ذلك، كما أشار إليه المصنف بقوله: «من حيث هو» .

المحشي: قوله: «والخلف لفظي» يصح عوده لقوله: «أن المباح ليس بجنس للواجب» أيضا، وكلام الشارح لا يأبي ذلك، وإن قدم الكلام عليه، على أن المباح غير مأمور به على الأصح.

قوله: «من أنه غير مأمور به» إلى آخره بيان لما يؤخذ من دليله، وحاصله أن ما يؤخذ من دليله صرّح هو به أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت