«في منع الموانع» أي نسألك غاية السؤال من الخضوع و الذّلة أن تمنع الموانع، أي الأشياء التي تمنع، أي تعوق «عن إكمال» هذا الكتاب «جمع الجوامع» تحريرًا، بقرينة السياق الذي إكماله لكثرة الانتفاع به -فيما أمّله- خيورٌ كثيرة، وعلى كل خير مانع. وأشار بتسميته بذلك إلى جمعه كل مصنَّف جامع فيما هو فيه، فضلا عن كل مختصر، يعني مقاصد ذلك من المسائل والخلاف فيها، دون الدلائل وأسماء أصحاب الأقوال إلا يسيرا منهما فذكره لنكتٍ ذكرها في آخر الكتاب.
المحشي: قوله: «بضبط المصنف» أسنده إليه تقوية للرّد على من زعم أنه بتشديد الضاد وفتحها، وأن أصله: نتضرع بتاء.
قوله: «أي نسألك» إلى آخره تفسير لِـ «نضرع» بالمعنى العرفي لا اللغوي، بقرينة تفسيره له بِ «نخضع ونذل» ، لكنه قد يشكل بجعل «من الخضوع والذلة» بيانا لغاية السؤال إن جعلت «من» بيانية، فإن جعلت بمعنى «باء» المصاحبة فلا إشكال. قوله: «بقرينة السياق» هي ما يؤخذ من لاحق الكلام، الدال على خصوص المقصود أو سابقه، وكل منهما هنا، إذ كل من «نضرع» و «الآتي من فن الأصول» إلى آخره.
ظاهر في أنّه إنما سأل المنع عن إكماله تحريرًا، لا تأليفًا مجردًا. قوله: «الذي إكماله» إلى آخره، صفة لـ «جمع الجوامع» و «إكماله» مبتدأ خبره «خيور» وأخبر بها مع أنها جمع عن المفرد، لأنه هنا مصدر، وهو يطلق على الكثير والقليل، ولأنه مفرد مضاف إلى معرفة فَيَعُمّ، وما بينهما تعليل لإكماله. وقوله: «فيما أمّله» متعلق بـ «كثرة الانتفاع» .
قوله: «وعلى كل خير مانع» بيّن به سرّ التعبير بالموانع دون المانع، لأنه إذا كان هناك خيور، وعلى كل خير مانع، فهناك موانع سأل الله منعها. قوله: «فيما هو فيه» متعلق بِ «مصنَّف» وإن وصف أي مصنف في فن جمع الجوامع فيه، والذي جمع الجوامع فيه فن أصول الفقه، وفن أصول الدين. قوله: «فضلا عن كل مختصر» أي إذا كان قد جمع كل مصنف جامع، فجمعه لكل مختصر أولى. «وفضلًا» مصدر منصوب، إمّا بفعل محذوف هو حال من مصنف أو صفة له، وإما على الحال. هذا وفي استعماله في الإثبات -كما هنا- نظر، لقول ابن هشام: «إنه لا يستعمل إلا في النفي نحو: فُلاَنٌ لا يملك درهمًا، فضلا عن دينار، أي لا يملك درهمًا ولا دينارًا، وأن عدم ملكه للدينار، أولى من عدم ملكه للدرهم» .
صاحب المتن: الآتِي مِنْ فَنِّ الأُصُولِ بِالْقَوَاعِدِ القَوَاطِعِ.
الشارح: «الآتي من فن الأصول» بإفراد فن، في نسخة بتثنيته وهي أوضح أي فن أصول الفقه، وفن أصول الدين المختتم بما يناسبه من التصوف.
والفن: النوع، وفن كذا من إضافة المسمى إلى الاسم، كشهر رمضان ويوم الخميس. ومن وما بعدها بيان لقوله «بالقواعد القواطع» قُدّم عليه رعاية للسجع.
والقاعدة: قضية كلية، يتعرف منها أحكام جزئياتها نحو: الأمر للوجوب حقيقة، والعلم ثابت لله تعالى.
المحشي: قوله: «المختتم بما يناسبه من التصوف» اعتذارٌ على المصنف في اقتصاره هنا على فني الأصول، بأن ما ذكر آخر الكتاب من التصوف، ليس مقصودًا بالذات، بل بالعرض، فهو تابع ورديف.
قوله: «وفن كذا من إضافة المسمى إلى الاسم» يجوز أيضا أن يكون من إضافة العام إلى الخاص، وإن كان الأول أقعد. قوله: «والقاعدة قضية كلية، يتعرف منها أحكام جزئياتها» أي جزئيات موضوعها، إذ موضوعها أمر كلي، كالأمر فيما مَثَّل به للقاعدة من أصول الفقه بقوله: «نحو الأمر للوجوب حقيقة» إذ يندرج فيه جزئياته كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، ولها أحكام، وهي كون كلٍّ منها للوجوب حقيقة، والقضية الكلية تشتمل على تلك الأحكام بالقوة.
الشارح: والقاطع بمعنى المقطوع بها كَـ (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) الحاقة: 21، من إسناد ما للفاعل إلى المفعول به، لملابسة الفعل لهما.