@@ [137] شهادته؛ لأنه غير مكلف ولا مخاطب لا يصح منه شيء من الأحكام فلم يصح ما قالوه.
قالوا: ولأن من لا تقبل شهادته في الأفعال لا تقبل شهادته في الأقوال أصله العبد.
والجواب هو: أنه لا يمتنع أن تقبل شهادته في الأفعال وتقبل في غيرها ألا ترى أن شهادته تقبل في النسب والموت فكذلك أيضا في السماع وجب أن تقبل وعلى أن المعنى في العبد أنه لا مدخل له في الشهادة بوجهٍ، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه إذا قبل في النسب وجب أن تقبل في الصوت.
قالوا: ولأن الأعمى إنما يشهد بالاستدلال فهو بمنزلة البصير إذا شهد على صوتٍ سمعه من وراء حجابٍ فقال أشهد أن لزيد على صاحب هذا الصوت كذا وكذا.
والجواب هو: أنا لا نسلم أن ذلك من طريق الاستدلال بل يقع لنا العلم بذلك كما يقع للبصير وقد بينا ذلك؛ لأنه إذا تكرر عليه ذلك علمه قطعًا ويقينا لا يشك ولا يرتاب فيه، وأما ما ذكروه من أنه إذا سمع صوته من وراء حجاب وعلمه فإننا نقبل منه، فلم يصح ما قالوه.
قالوا: ولأنها شهادة على عقد عدم الشاهد فيها رؤية التعاقد فوجب أن لا تقبل، أصله البصير إذا شهد على عقدٍ بالاستفاضة والأعمى إذا شهد بالاستفاضة.
والجواب هو: أن هذا لا يصح وذلك أن البصير لو شهد بذلك أيضًا لم تقبل منه فالأعمى أحق بذلك وليس كذلك فيما طريقه السمع؛ لأنه إذا قبل ذلك من البصير قبل ذلك من الأعمى فلم يصح ما قالوه من ذلك.
قالوا: ولا يحتاج أن يشير إلى المشهود عليه وهذا لا يتمكن منه.
والجواب هو: أنه لا يلزمه ذلك؛ وإنما عليه أن يبلغ إلى الحاكم ما سمع والحاكم يحكم بما سمع فلم يصح ما قالوه والله أعلم هـ.
فصل: والشهادة على الشهادة جائزة وبه قال كافة الفقهاء، وحكي عن بعض المتقدمين منعها؛ وإنما قلنا ذلك جائز لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز الشهادة على الشهادة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، ولا خالفه في ذلك فدل ذلك على أنه إجماع منهم؛ ولأن الشهادة طريقها الأمانة فأشبهت الإخبار فإذا جاز النقل في أحدهما فكذلك في الآخر