@@ [428] وروي أن عائشة أم المؤمنين وقفت وروي عن فاطمة رضي الله عنها أنها وقفت ووقف أبو الدرداء خراج بئر رحباء ووقف أنس بن مالك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه رجع في وقفه ولا حبسه فدل على أن ذلك إجماع منهم على ذلك.
والقياس في هذه المسألة تحبيس أصلٍ وتسبيل منفعة، فلم يفتقر إلى حكم حاكمٍ أصله: المساجد، قالوا: المعنى في بناء المساجد أنه لو بناها وسبلها لم يفتقر في ذلك إلى أن يقول وقفت أو سبلت، وغنما بنفس البناء يلزم ذلك حسب، وليس كذلك في أمستنا لكنه لابد من أن يقول وقفت.
والجواب هو: أنه لا فرق بينهما لأنه لابد من القول أيضًا في بناء المساجد فلم يصح ما قالوه من ذلك وقياس آخر وهو أن نوع عطبه يلزم بعد لوفاء بالوصية فوجب أن يلزم بقوله حال الحياة أصله الهبة والصدقة.
وقياس آخر: وهو أنه إزالة ملك على وجه القربة فلا يفتقر إلى حك حاكمٍ أصله بناء القناطر والمساجد ونزيد في الفرع وأكبر الملك على منافع الرقبة للحسبة، وقد قيل لأنه إخراج ملك إلى الله سبحانه وتعالى على وجه القربة فصح الوصية به فلا يفتقر إلى حكم حاكم، أصله: ما ذكرناه من بناء القناطر والمساجد واستدلال في المسألة وذلك أن تصرف الإنسان في ملكه حال حياته آكد منه بعد مماته وقد ثبت وتقرر أن ذلك يلزم بعد الوفاة فأولى أن يلزم ذلك في الحياة؛ لأن ذلك آكد لما ذكرناه.
واحتج بما روي عن ابن عباسٍ أنه قال لما نزلت سورة النساء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حبس بعد الفرائض» وروي «لا حبس بعد» .
قالوا: فوجه الدليل عنه أنه نفى الوقف عليه السلام والحبس بعد آية المواريث.
والجواب هو: أن الراوي غلط في هذا الحديث، وهو قوله لا حبس؛ وإنما الذي روي أنه قال: لا حبس وأراد بذلك حبس النساء في البيوت إذا زنين الفاحشة؛ لأن الله تعالى أمر بذلك في سورة النساء نسخ ورفع الحبس بقوله عليه السلام قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم.
وجواب آخر وهو أنه إنما أراد عليه السلام نفى الحبس للذي كانت الجاهلية تفعله؛ وذلك أنهم كانوا يسبون الناقة ولا تمس ولا يتصرف فيها أحد فقال عليه السلام لا حبس قالوا: وروي عن شريح أنه