الثاني: أن لا يكون هدف الإنسان وهمه هم الإنسان هو تكثير الصفحات التي يقرأها، أو زيادة الختمات التي يختمها، بقدر ما يكون له هم في تدبر ما يقرأ ويفهم كما تقدم لدينا آنفا، وقد ذكرنا كيف يكون الآجر، لمكثر القراءة بدون تدبر، ولمقلها مع التدبر والفهم، قال ابن مسعود لا تهذوا القرآن هذا الشعر ولا تنثروه نثر الدقل {أَيْ يَرْمُونَ بِكَلِمَاتِهِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَتَأَمُّلٍ كَمَا يُرْمَى الدَّقَلُ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ رَدِيءُ التَّمْرِ فَإِنَّهُ لِرَدَاءَتِهِ لَا يُحْفَظُ وَيُلْقَى مَنْثُورًا} وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
ألفاظه كعقود الدر ساطعة وآيه لظلام الجهل أقمار
رقت معانيه إذ دقت لطائفه فأمعنت فيه ألباب وأفكار
كفى به لأولي الألباب تبصرة أن أنصفوا وبحكم العقل ما جاروا
به هدى الله أقواما وأيدهم فأصبحوا وعلى المنهاج قد ساروا
الثالث: أن يقرأ القرآن بحضور قلب، فكثير من الناس يقرأ القرآن وهو غافل لاه، يقرأ بلسانه، وعقله وفكره وقلبه في واد آخر، وهذا لا ينتفع من القرآن البتة، لكن يثاب على نيته قصد القراءة والتقرب إلى الله جل وعلا.
عباد الله: إن المرء ليحزن حينما يرى أن كثيرا مما يقرؤون القرآن يقرؤونه على هذه الصفة، ومما يدل على ذلك أنك لو استمعت لبعض من يقرأ القرآن، لوجدته يخطئ في القرآن أخطاء تحيل المعنى بل ربما تقلبه، وهم مستمرون في القراءة دون انتباه.
وأذكر أني جئت للصلاة في أحد المساجد، وكان هناك رجل يقرأ القرآن، فقرأ في سورة آل عمران قول الله جل وعلا (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ) آل عمران