سفير الإسلام مصعب بن عمير رضي الله عنه 2/3/1427هـ
الخطبة الأولى:
عباد الله: كلما تقدم الزمان احتاج الناس إلى نماذج بشرية مشرقة تحيي فيهم الأمل ، وتبعث فيهم الفأل ، تستعيد الأجيال اللاحقة منها سر نهضتها وتميزها لتستنير بها في سيرها إلى المولى سبحانه ، ولقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خير هذه الأمة ، أبرها قلوبًا ، وأعمقها علمًا ، وأقلها تكلفًا ، فهيا بنا نستلهم بعضا من العبر والدروس عن بعض أولئك القوم.
عباد الله: لما انقضت غزوة احد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهداء يتفقدهم ، يعرج على الأجساد الطاهرة ، وعلى القلوب الوفية ، يقلب النظر في ثلة قدموا أرواحهم فداء لنصرة الدين ، وبذلوا أنفسهم ثمنًا لجنة أعدت للمتقين ، مر بهم صلى الله عليه وسلم واحدًا واحدًا ، فلما حاذى واحدًا منهم وقف عنده ورفع يديه يدعو له ثم قرأ قوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بلدوا تبديلا .
لقد كانت وقفة مؤثرة ودعوة معبرة ، أبى التاريخ إلا أن يسطرها ويحفظها للأجيال لتتخذها نبراسًا في الحياة ، فيا ترى من هو ذلكم الشهيد الذي استوقف النبي صلى الله عليه وسلم واستعبره ؟ ولمن كانت تلك الدعوات ؟ ومن يا ترى ذلك الذي شرف بثناء الله عليه بكونه من الصادقين .
إنه عباد الله أبا عبد الله مصعب بن عمير رضي الله عنه.
أيها المسلمون: مصعب بن عمير تحدثنا عنه شوارع مكة وطرقاتها ، نواديها وعرصاتها ، يحدثنا عنه أريج المسك والأطياب ، وناعم المسكن والثياب ، ولذيذ المطعم والشراب ، بل تحدثنا عنه مكة بأسرها، بشبابها الذين كانوا يغبطونه على عيشه ، وبفتياتها اللاتي طالما تمنين مثله ، كل أولاء يحدثوننا عن مصعب بن عمير الذي ألقاهم وراءه ، وسار إلى الله تعالى يحدوه الشوق ويدفعه الأمل ليرقى في منازل الصادقين .