الخطبة الأولى
عباد الله: بدأ الإسلام غريبًا بين الأديان ، وأهله غرباء بين الناس ، وكان المستجيب له غريبًا بين أهله وعشيرته، يؤذى بسبب ذلك ويعادى ويفتن في دينه، وكان المسلمون صابرين راضين بقضاء الله مطيعين لأوامر رسوله حتى قوي الإسلام واشتد عوده فزالت غربته ، وأضحى أهله هم الظاهرين على من ناوأهم ، وسيعود الإسلام غريبًا كما بدأ (كما هو حال زماننا هذا) لقلة المتمسكين به فطوبى للغرباء، قال أحمد بن عاصم الأنطاكي - وكان من كبار العارفين في زمان أبي سليمان الداراني -: أدركت من الأزمنة زمانًا عاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ، وعاد وصفُ الحق فيه غريبًا كما بدأ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونًا بحب الدنيا، يُحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلًا في عبادته مخدوعًا صريعًا ،وسائر ذلك من الرعاع. أخرجه أبو نعيم في (الحلية) ، وبعد أن أورد ابن رجب هذا الأثر عقب عليه قائلًا:"فهذا وصف أهل زمانه فكيف بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر في خياله؟"ونحن ماذا عسانا أن نقول عن زماننا هذا إذا كان ذلك حال زمانهم فرحماك ربنا رحماك.
إلى الله نشكو غربة الدين والهدى**وفقدانه من بين من راح أو غدا
فعاد غريبا مثل ما كان قد بدا**على الدين فليبكي ذوو العلم والهدى