ماذا بعد رمضان 15 /10/1427هـ
الخطبة الأولى:
عباد الله: كنتم في شهر الخير والبركة ، تصومون نهاره ، وتقومون من ليله ، وتتقربون إلى ربكم بأنواع القربات ، طمعًا في ثوابه ، وخوفًا من عقابه ، ثم انتهت تلك الأيام وانقضت تلك الليالي وكأنها طيف خيال .
أيها المسلمون: لقد قطعتم بتلك الليالي والأيام مرحلة من حياتكم لن تعود إليكم ، وإنما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خير أو شر ، وهكذا كل أيام العمر ، مراحل تقطعونها يومًا بعد يوم ، وأنتم تسيرون في طريق الآخرة ، فهي تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم .
تمر بنا الأيام تترى وإنما *** نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذلك الشباب الذي مضى *** ولا زائل ذاك المشيب المكدر
أيها المسلمون: لقد مضى شهر رمضان وقلوب المسلمين على فراقه حزينة ، ونفوس الصالحين مشفقة ، وعيون المتهجدين دامعة ، مضى رمضان ليكون شاهدًا للمؤمن بطاعته وصالح عمله وعبادته وإحسانه ، وشاهدًا على المقصر بتقصيره وتفريطه وغفلته وعصيانه ، أحسن في رمضان أقوام ففازوا وسبقوا ، وأساء فيه آخرون فرجعوا بالخيبة والخسران .
أيها المسلمون: من كانت حاله بعد رمضان أحسن من حاله منها قبله ، مقبلًا على الخير ، حريصًا على الطاعة ، مواظبًا على الجمع والجماعات ، مفارقًا للمعاصي والسيئات، فهذه أمارة قبول عمله إن شاء الله تعالى، ومن كانت حاله بعد رمضان كحاله قبلها فهو وإن أقبل على الله في رمضان إلا أنه سرعان ما نكص على عقبه ونقض ما أبرم مع ربه من عهود ومواثيق ، فتراه يهجر الطاعات ، ويضيع الصلوات ، ويتبع الشهوات ، ولا يصون سمعه وبصره وجوارحه عن المحرمات، فليعلم هذا وأمثاله أولئك أن رب الشهور واحد ، وهو في كل الأزمان مطلع على أعمال عباده ومشاهد .