جامع الإحسان
11/6/1427هـ
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد .
... فيا عباد الله: مع شدة حر الصيف ولأواء الشمس وهجيرها ، ومع سخونة الأجواء التي يتصبب منها الجبين عرقًا ، يستعد كثير من الناس للرحيل والسفر ، حجوزات تؤكد ، وتذاكر تقطع ، حقائب تجهز ، وأموال ترصد ، ييمم الأكثر وجوههم قبل المصائف ، والبلدان المعتدلة والباردة من أجل التنعم بأجوائها والاستمتاع بأمطارها ، والتخفف من مشاغل الحياة ومتاعبها ، وهذا السفر عباد الله وذاك التنقل في البلدان هو فطرة فطر الله تعالى النفس البشرية عليها ، ففئة تسافر لتتاجر ، وأخرى لتجاهد ، وثالثة لتتعلم ، ورابعة من اجل أداء واجب كحج وعمرة وصلة رحم أو دعوة إلى الله تعالى ، ولقد كان العرب في الجاهلية يسافرون ويسيحون في الأرض فجاء الإسلام فزكى مبدأ السياحة وقواه ، بل أمتن به على قريش حين ذكرهم بأنه هيأ لهم أسباب رحلتين عظيمتين منتظمتين إلى اليمن تارة وإلى الشام تارة أخرى فقال سبحانه:"لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف".
أيها المسلمون: السفر هو قطع المسافات والمراحل بنية السفر، وسمي سفرًا لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم ، فيظهر ما كان منها خافيًا ، روى ابن أبي الدنيا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلًا يثني على رجل فقال: أسافرت معه ؟ قال: لا قال أخالطته ؟ قال: لا ، قال عمر رضي الله عنه والذي لا إله إلا هو ما تعرفه .