العشر الأواخر من رمضان 21 /9/1427هـ
الخطبة الأولى:
عباد الله: ها هو شهر رمضان ، شهر الصيام والقيام ، وشهر الإحسان وتلاوة القرآن ، وشهر المغفرة والعتق من النيران يتهيأ للرحيل والزوال ، تصرمت ساعاته ، وانقضت لياليه وأيامه كغيرها من الليالي والأعوام التي مرت علينا وكأنها أضغاث أحلام .
أيها المسلمون: مضت أكثر أيام شهركم وانقضت لياليه شاهدة عليكم بما عملتم ، وحافظة لما أودعتم، تدعون يوم القيامة يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ... فينادي ربكم سبحانه:"يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"أخرجه مسلم .
عباد الله: هذا هو شهركم وهذه نهايته ، ولربما يكون هذا الشهر آخر شهر يصومه بعضنا ؟ فكم من مستقبل لرمضان لم يستكمله ؟ وكم من مؤمل بعود إليه لم يدركه ؟ وتلك الأيام نداولها بين الناس .
أيها المسلمون: لئن مضى من شهركم الكثير ، فقد بقي فيه بقية ، بقيت من شهركم العشر الأواخر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتفي بها أيما احتفاء ، يزيد فيها من العبادة ما لا يزيد في غيرها من أيام وليالي الشهر، تقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره ، وأحيا ليله وأيقظ أهله ... البخاري ، وكانت تقول رضي الله عنها كما عند مسلم: كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها .
عباد الله: لقد كان السلف الصالح من أسرع الناس امتثالا وإتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم في اغتنام العشر فكان كثير منهم يجتهدون في ليالي العشر اجتهادًا عظيمًا ، وكان بعضهم يغتسل كل ليلة ليكون أنشط له في العبادة ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ، ليخلو في محرابه يدعو الله ويعبده ، وهو في أكمل هيئة وأبهى صورة ، يقول سفيان الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يجتهد بالليل ، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك .