خطبة ( ظلم العمال )
أما بعد، احتاج أحد الناس إلى عمل معين، فاستأجر عاملًا مقابل إنهاء العمل .. بذل العامل دمه ووقته، واستفرغ وسعه ونشاطه، اشتدت الشمس، وسال العرق، والتهب الوجه، ولما تم العمل ذهب الأجير لاستلام أجره وحقه، فما كان من صاحب العمل إلا أن راغ وتنكر، وضاق وتنمّر، وادعى الرداءة والضعف في الصنعة بلا دليل، وطرد الأجير بعدما أكل قوته والتهم جهده وتعبه، وتبجح باستعداده للذهاب للمحكمة في حال شكوى الأجير، وما علم الجاهل المسكين أنه لا يخاصم أجيرًا خاملًا ولا قاضيًا غائبًا، ولا مؤسسة نائية، إنه يخاصم رب العالمين وقاصم الظالمين وديان الخلق أجمعين.
وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ) ).
عباد الله، إن من حِكمة الربّ جلّ وعلا أن فَاوت بين الخلق في أخلاقهم، في أرزاقهم، وفي هذا التفاوت أوّلًا دليل على كمال قدرة الربّ، وفيه ثانيًا مصالح عامّة للعباد، ليُسَخِّر هذا لخدمة هذا، ويسَخِّر هذا بالبَذْل لهذا، كما قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) .
ولقد تفشت اليوم وللأسف صور ظلم العمال والأجراء والخدم، تفشت هذه الصور وعظمت، وبانت أحوالها وأحزنت .. حينما نُزعت الرحمة من قلوب بعض الكفلاء، وهانت عرى إسلامهم، وتمزقت خيوط إنسانيتهم، فعاملوا العمال الأجراء شر معاملة، واستعملوهم أشد استعمال، وجازوهم أبشع جزاء.