خطبة (أغيلمة الصحافة السعودية)
أما بعد ..
عباد الله .. نشكو إلى الله أحوالنا، وما يكتب مرارًا في صحفنا، ويعرض في قنواتنا.
لقد عاش الصدر الأول من هذه الأمة على أحسن حال من: كمالِ إيمان، وصلاح أعمال، وطهارة قلوب، وصفاء نفوس، لم يختلفوا في دينهم، ولم تفرقهم دنياهم، مع عظم الفتوح، وتدفق الغنائم والكنوز، يعظمون السنة، ويلتزمون أحكام الشريعة، حتى بدأت الدنيا تتسرب إلى قلوب أبنائهم، واندس الحاقدون بينهم، فكان مقتل عثمان رضي الله عنه، ثم وقع بعده التفرق والاختلاف في الأمة إلى زماننا.
لقد كانت بدعةُ الخوارج أولَ مسمارٍ دُقَّ في اجتماع المسلمين وتآلفهم، فخرجوا على الحكام، وكفروا أهل الإسلام، واستحلوا دماءهم وأموالهم.
وفي مقابل الخوارج الغلاة، خرجت طائفة متحللة، أخذت بالطرف الآخر، فميّعت الدين، وسوّغت المعاصي والفجور، فأطلت بدعةُ الإرجاء بقرونَها، وانتشر قول المرجئة الذين يفصلون العمل ويخرجونه عن حقيقة الإيمان، فيرون أن العمل لا يؤثر في الإيمان، لا بالكمال ولا بالنقص ولا بالانتفاء.
وعانت الأمة الأمرّين، من هاتين البدعتين، من التكفير، ومن الإرجاء، فإن فسد الولاة، وكثرت المعاصي والمنكرات، واستعلن أهلها بها، وصُنعت لها المسوغات والمعاذير؛ قابلتها بدعة التكفير والخروج، فركبها جهلة يسفكون الدماء، ويظنون أنهم مصلحون، وهم لا يزيدون الفتن إلا اشتعالا .. وإذا ظهر القول بالتكفير والخروج بلا حجة ولا برهان، ظهر المرجئة ببدعتهم فسوغوا المعاصي، وشرَّعوا للمنكرات، واختلقوا المعاذير لأرباب البغي والفساد .. ولا سبيل إلى القضاء على هاتين البدعتين إلا بسلوك صراط أهل العلم والعدل والحق، وذلك بلزوم الجماعة، والتزام الطاعة، وإنكار المنكرات حسبَ الطاقة، فلا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، دون شقٍّ لعصى الطاعة، ودون مفارقةٍ للجماعة.