وبالجار إحسانا 6/5/1430هـ
الخطبة الأولى
عباد الله: شيد رجل من المسلمين دارًا كبيرة فسيحة ، فجملها وأبهاها وحسنها ، وبعد برهة من الزمن تعكرت حياته في تلك الدار ، فعاف حسنها ، وكره سكناها ، وتمنى كل خلاص منها ، فلما عرضها للبيع بأرخص الأثمان ، وأبخس الأسعار ، وتمت البيعة بسعر زهيد ، لامه الناس والعذال فأجابهم بقوله:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي * وما علموا جارًا هناك ينغص
فقلت لهم: كفوا الملام فإنها * بجيرانها تغلو الديار وترخص
أيها المسلمون: لقد أوصى الإسلام بالجار وأعلى من قدره ، فللجار في ديننا حرمة مصونة ، وحقوق مرعية ، حيث قرن المولى سبحانه وتعالى الإحسان إلى الجار بعبادته وتوحيده فقال عز من قائل [وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا] {النساء:36} .
هذه عباد الله وصية الله عز وجل في كتابه ، أما وصية رسوله صلى الله عليه وسلم فقد جاءت في صورة جليلة وتعبير مستفيض يجلي مكانة وحق الجار في الإسلام، أخرج الإمام احمد في مسنده عن رجل من الأنصار قال: خرجت مع أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم وإذ به قائم ، وإذا رجل مقبل عليه، فظننت أن له حاجة ، فجلست ، فو الله لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي له من طول القيام ، ثم انصرف ، فقمت إليه فقلت يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي إليك من طول القيام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري من هذا ؟ قلت: لا ، قال صلى الله عليه وسلم: جبريل مازال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .