خطبة ( محنة الامام احمد )
أما بعد ..
عباد الله .. لئن كنا قد تحدثنا في الخطبة الماضية عن سيرة أحد الأعلام الكبار في تاريخ أمتنا الإسلامية، الإمامِ الرباني، والصديق الثاني، أحمدَ بنِ حنبلٍ الشيباني، رحمه الله، واستعرضنا عدة صفحات مشرقة من حياة هذا الإمام، مليئةٍ بالدروس والعبر ؛؛ فإنه يجدر بنا اليوم أن نقف مع صفحة ساخنة، هي من أعظم الصفحات في حياة هذا الإمام .
إنها صفحة الابتلاء، سنة الله في عباده المؤمنين، وقد روى الإمام أحمد نفسه، والترمذي وقال حسن صحيح، عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يُبتلى الرجل على حَسَب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زِيد في بلائه، وإن كان في دينه رقةٌ خُفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد، حتى يمشيَ على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة.
وقد روي أن الإمام أحمد رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقال له: يا أحمد، إنك ستُبتَلى فاصبر، يرفعِ اللهُ لك عَلَمًا إلى يوم القيامة .
بدأت أحداث المحنة بعدما تولى المأمون الخلافة، وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم ،وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف، وقاضيه أحمد بن أبي دؤاد من زعمائهم .. اعتنق المأمون هذه العقيدة الفاسدة وهي القول بخلق القرآن ، لكنه تردد في إلزام الناس والعلماء بها ،وخاف من الفتنة ،فأشار عليه ابن أبي دؤاد وجلساء السوء بإظهار القول بخلق القرآن ،وإلزام الناس به ،فكتب المأمون إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يجمع من بحضرته من القضاة والعلماء ،ويلزمهم بالقول بخلق القرآن، ومن أبى حبسه أو عزله أو قتله .
واشتعلت الفتنة في العراق ، وحُبس وعذب وقتل فيها خلائقُ لا يحصون ، بسبب فعل الخليفة المأمون ، وتقريبه لبطانة السوء، لا كثرها الله في كل زمان .