خطبة ( الذكرى في دروس غزوة بدر الكبرى )
أما بعد .. عباد الله ، ملحمة من ملاحم التاريخ ، وحادثة فرق الله بها بين الحق والباطل .
كانت هذه الملحمة قبلَ أكثرَ من ألفٍ وأربعِمائةِ سنة ، وفي شهر رمضان ، شهرِ الجهاد والفتوحات ، فبين الصيام والجهاد علاقة وثيقة ، وصلة عميقة، فالصيام مجاهدة للنفس والشهوات والشيطان ، والجهاد مغالبة لأعداء الرحمن .
بدأت الأحداث بعد مضي ليالٍ من رمضان في السنة الثانية بعد الهجرة ، حيث بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُ قافلةٍ تجاريةٍ قادمةً من الشام إلى مكة، يقودها أبو سفيان وفيها أموال قريش، فندب صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا لاعتراضها لعل الله يكتُبها لهم، ويعوضُهم بعض ما أخذت منهم قريش عندما هاجروا من مكة .
خرج رسول الله بنفسه في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا من المهاجرين والأنصار، وكانت راية المهاجرين مع مصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب ، وراية الأنصار مع سعد بن معاذ ، ولم يكن معهم سوى سبعين بعيرًا وفرسين، فكان الرجلان والثلاثة يتناوبون على ركوب البعير الواحد بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعند أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعلي زميلَي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فإذا كان عُقْبَة ـ يعني نوبة ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشي قالا: اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك، فيقول: (( ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما ) ).
وبلغ أبا سفيان خروجُ المسلمين لملاقاة القافلة، فبعث رجلًا اسمه ضَمْضَم الغفاري إلى مكة يستصرخ قريشًا أن ينفروا لحماية تجارتهم، فنهضوا مسرعين، وخرجوا من ديارهم كما قال عز وجل: (بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .