خطبة ( صناعة الرجال) بتاريخ 21/8/1429
أما بعد، في دار من دور المدينة، جلس عمر - رضي الله عنه - إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهبًا أنفقه في سبيل الله.. ثم قال آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به.. فقال عمر: ولكني أتمنى رجالًا مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.
رحم الله عمر الملهم، إنه لم يتمن فضة ولا ذهبًا، ولا لؤلؤًا ولا جوهرًا، ولكنه تمنى رجالًا من الطراز الممتاز، تفتح على أيديهم كنوز الأرض، وأبواب السماء .
لقد كان عمر خبيرًا، بأن الحضارات العظيمة، والرسالات الحقة، تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها، والعزائم القوية التي تنفذها، وباختصار: إنها تحتاج إلى رجال، وليس أي رجال .
كم من رجلٍ أعزُ من المعدن النفيس، وأغلى من الجوهر الثمين، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) رواه البخاري.
إن الرجل الواحد قد ينصر الله به الدين، ويقلب به الموازين، وفي القرآن الكريم في قصة موسى حين قتل القبطي: (وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) .. وفي سورة يس في قصة أصحاب القرية: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) .
الرجل الأول أنقذ الله به وبرأيه نبيه وكليمه موسى، حينما أحاطه علمًا بالمؤامرة الدنيئة التي يحيكها القصر الفرعوني للقضاء عليه وعلى دعوته.. وأما الثاني، فرجل مؤمن يعلن أمام الملأ نصرة المرسلين، ويدعو إلى اتباعهم، متحديًا رؤوس الضلالة، صارخًا به في وجه الجماهير.
إن رجلًا واحدًا قد يساوي شعبًا بأسره، وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.