خطبة ( العشر الأواخر من رمضان 1427)
أما بعد ..
معاشر الصائمين .. ومضت الليالي والأيام ، فإذا نحن الآن في أفضل ليالي العام .. العشرِ المباركة .. عشرِ التجلياتِ والنفحات ، وإقالةِ العثرات ، واستجابةِ الدعوات ، وعتقِ الرقاب الموبقات .
الله أكبر .. إنها بساتين الجنان قد تزينت .. إنها نفحات الرحمن قد تنزّلت .. فحري بالغافل أن يعاجل ، وجدير بالمقصر أن يشمر .
يتفضَّل ربُّنا على عبادِه بنفحَاتِ الخيراتِ ومواسِمِ الطاعات، فيغتنِم الصّالحون نفائِسَها، ويتدارَك الأوّابونَ أواخِرَها .
وإنها والله لنعمة كبرى أن تفضل الله علينا ، ومد في أعمارنا ، حتى بلغنا هذه العشر المباركة ، وإن من تمام شكر هذه النعمة أن نغتنمها بالأعمال الصالحة .. فهل نحن كذلك؟ نشكو إلى الله ضعفًا في نفوسنا ، وقسوة في قلوبنا الغارقة في بحور الغفلة .
جرت السنون وقد مضى العمر والقلب لا شكرٌ ولا ذكرُ
والغفلةُ الصماء شاهرةٌ سيفا به يتصرم العمرُ
حتى متى يا قلب تغرق في لجج الهوى، إن الهوى بحرُ
ها قد حباك الله مغفرةً طرقت رحابَك هذه العشرُ
عباد الله .. ظاهرة مؤسفة يتألم لها المؤمن ويحترق لها قلبه حسرة في مثل هذه الأيام المباركة ، ولا يعرف لها سبب وتفسير إلا الغفلة التي اشتدت واستحكمت في القلوب .
إنها ظاهرة ضعف الإقبال على العبادة والطاعة في العشر الأواخر من رمضان ، يظهر هذا الأمر جليًا في عدد المصلين في الأيام الأولى من رمضان ، وعددهم في الأيام الأخيرة منه .. لا يزال عدد المصلين في صلاة التراويح يقل ، وأقل منهم الذين يصلون القيام الآخِر .. والمشكلة أن هذا النقص يحدث في أفضل ليالي الشهر، بل وفي ليلة القدر .
سبحان الله .. تهجر المساجد وتعمر الأسواق في أعظم ليالي السنة وأفضلها، بل وفي الساعة الشريفة التي ينزل فيها ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ليعطي السائلين ويغفر للمذنبين في الثلث الأخير من الليل .