فهرس الكتاب

الصفحة 1073 من 13021

خطبة ( الخشية وقصة الغامدية )

أما بعد .. انظروا إليها .. تقطع مراحل الزمن .. وتطوي صفحات التاريخ .. لتسجل للأجيال موقفًا نادرًا ، يقف له التاريخ هيبة وإجلالًا .

امرأة ضعيفة .. عصفت بها لحظة من لحظات الضعف فوقعت في الفاحشة .. ولما كشف عنها غطاء الغفلة ، انتفض الإيمان في قلبها ، فجادت بنفسها ، وأبت إلا أن تكون هي الفداء ، لتسبق الأحياء ، وتضع رحلها في جنة عرضها الأرض والسماء .

ها هي تقبل على رسول الله بخطىً ثابتة, وفؤادٍ يرجف وجلًا وخشية, رمت بكل مقاييس البشر وموازينهم, تناست العار والفضيحة, لم تخش الناس, أو عيون الناس, وماذا يقول الناس؟ .. أقبلت تطلب الموت, نعم تطلب الموت, فالموت يهون إن كان معه المغفرة والصفح, يهون إن كان بعده الرضا والقبول, يهون إن كان فيه إطفاء لحرقة الألم, ولسع المعصية, وتأنيب الضمير .. (يا رسول الله أصبت حدًا فطهرني) .. فيُشيح النبي عنها بوجهه, فتقبل عليه وتقول: يا رسول الله أصبت حدًا فطهرني .. فيقول الرؤوف الرحيم - صلى الله عليه وسلم -: ويحك ، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه .. فتقول: تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ والله إني حبلى من الزنا, فيقول: (( اذهبي حتى تضعيه ) ).. فولت والفرح يملأ قلبها, والسرور يخالط نفسها .. أن نجت من موت محقق؟ وردها رسول الله؟ كلا, بل لم يزل هم الذنب يعترك في فؤادها ، وسياط الخوف تسيطر على تفكيرها.

ويمر الشهر والشهر, والآلام تلد الآلام, فتأتي بوليدها تحمله .. ها أنا ذا وضعته فطهرني يا رسول الله, فيقول الرؤوف الرحيم - صلى الله عليه وسلم -: (( اذهبي حتى ترضعيه فتفطميه ) ).

وتعود بابنها الرضيع .. فلو رأيتها ، ووليدُها بين يديها, والناس يرقبونها عَجَبًا وإكبارًا .. ترضع وليدها حولين كاملين .. كلما ألقمته ثديها, أو ضمته إلى صدرها زاد تعلقها به وتعلقه بها, وحبها له, كيف لا وهي أمه .. ولا تسل عن حنان الأم وعطفها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت