الحج دروس وعبر 13/12/1426هـ
الخطبة الأولى
عباد الله: بغروب شمس هذا اليوم المبارك يودع المسلمون في أنحاء العالم فريضة الحج لهذا العام ، تلكم الفريضة التي عظمت في مناسكها ، وجلت في مظاهرها ، وسمت في ثمارها ، إنها فريضة الحج التي تضمنت من المصالح ما لا يحصيه المحصون ، ولا يعده العادون ، تضمنت من المقاصد اسماها ، ومن الحكم أعلاها، ومن المنافع أعظمها وأزكاها .
أيها المسلمون: مقاصد الحج تدور محاورها على تصحيح الاعتقاد والتعبد ، وعلى الدعوة لانتظام شمل المسلمين ووحدة كلمتهم، وعلى التربية للفرد والمجتمع ، والتزكية السلوكية للنفوس والقلوب والأرواح والأبدان ، قال تعالى: { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } الآية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: منافع الدنيا والآخرة ، فأما منافع الآخرة فرضوان الله جل وعلا ، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات.
عباد الله: إن من أبرز دروس فريضة الحج تلكم المحبة التي جعلها الله تعالى لبيته الحرام في قلوب عباده، يستنفرهم البيت من كل فج رجالًا أو ركبانًا ،قال تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه عنه ابن جرير وغيره: لا يقضون منه وطرًا، يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ، ثم يعودون إليه ، وأنشد القرطبي في هذا المعنى قول الشاعر:
جعل البيت مثابًا لهم * ليس منه الدهر يقضون الوطر
وأنشد غيره في الكعبة:
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها * حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم رحمه الله"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا وهو يأزر بين المسجدين"وفسر يأزر بمعنى ينضم ويتجمع ، وفي معناه العام ما يفيد تعلق قلوب المسلمين بمشاعرهم .