عباد الله: لا تزال الأفئدة تهوي إلى ذلكم البيت وتتوق إلى رؤيته ، والطواف به، الغني القادر ، والفقير المعدم ، مئات الألوف من هؤلاء وهؤلاء يتقاطرون من أصقاع الأرض ليلبوا نداء إبراهيم عليه السلام الذي نادى به منذ آلاف السنين:"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"، فيا لله لكم اشتاقت لبطحاء مكة النفوس ، وهفت لربها القلوب ، وكم من متحسر يتمنى المبيت ليلة بمنى أو الوقوف ساعة بعرفة ، أو مشاركة الحجيج مبيتهم بمزدلفة ، أو المزاحمة عند الجمرات ، أو الطواف بالبيت وسكب العبرات .
هذه الخيف وهاتيك منى * فترفق أيها الحادي بنا
وأحبس الركب علينا ساعة * نندب الربع ونبكي الدمنا
فلذا الموقف أعددنا البكا * ولذا اليوم الدموع تقتنى
عباد الله: ومن دروس الحج أيضًا تذكير الأمة بان أعظم ما يجب أن تهتم به وأن تحافظ عليه وأن تغرسه في النفوس تحقيق التوحيد لله سبحانه ، وتحقيق الغاية القصوى في الخضوع والتذلل له عز شأنه ، توجهًا وإرادة ، قصدًا وعملًا ، ولذا افتتح النبي صلى الله عليه وسلم حجته بالتوحيد كما يقول جابر رضي الله عنه: فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، وكذلك الأنبياء من قبل كانوا يلهجون بالتوحيد ويلبون به ، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في حجه بوادي الأزرق فقال: أي وادٍ هذا ؟ قالوا: هذا وادي الأزرق ، قال: كأني أنظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام هابطًا من الثنية له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية ، ثم أتى على ثنية أخرى فقال: أي ثنية هذه ؟ قالوا: ثنية كذا وكذا ، قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه الصلاة والسلام على ناقة حمراء عليه جبة من صوف وهو يلبي .