عباد الله: لقد كان مصعب بن عمير قبل إسلامه فتى مكة شبابا وجمالا ، كان أبواه يحبانه حبا عظيما ، ويغدقان عليه بما يشاء من أسباب الراحة والترف ، يكسى أحسن الثياب ، ويلبس أجمل اللباس شهد له بذلك أصدق الخلق صلى الله عليه وسلم حين قال:"ما رأيت بمكة أحسن لمة وأرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير"ومع ما كان فيه من النعيم لمن يمنعه ذلك عن البحث عن نور الحق ومصدر السعادة ، سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه يدعو إلى دين جديد يحرر العباد من عبادة العباد إلى عباده رب العباد فقدم إليه مستخفيا وهو في دار الأرقم بن أبي الأرقم فسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما انشرح به صدره وارتاح له فؤاده فأعلنها بين يديه: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ، ثم مضى رضي الله عنه حافظًا للعهد بأن يكتم إسلامه خوفًا على نبيه وسلامة لدينه وجسده أن ينال بالأذى كما نيل بذلك من سبقه .
لقد آثر رضي الله عنه الآخرة على الدنيا ، مع علمه بأنه سيسلب النعيم الذي هو فيه ، وسوف تتبدل حاله من العز إلى الذل ، ومن السعة في نظر الناس إلى الضيق ، ومن النعيم إلى الجحيم ، ومن الراحة إلى التعب، ولقد صدق حدسه وظنه فبرغم حرصه على كتمان إسلامه إلا أن الواشين من المشركين أبوا إلا الوشاية به عند أمه وقومه نكاية به ، وصدًا عن سبيل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:"ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء".