أيها المسلمون: حين علمت أمه بإسلامه حلفت ألا تأكل أو تشرب أو تستظل حتى يرجع عن دينه ويترك محمدا وصحبه ، فكانت تقف في الشموس حتى تسقط مغشيا عليها ولم يغير ذلك من حاله رضي الله عنه ، فأدركت أمه حينها أن سياسة السراء والاستعطاف لا تجدي ، فأمرت به فحبس في ركن قصي من أركان دارها وحرمته من كل النعيم الذي تغدقه عليه ، حتى تغير لونه ، وذهب لحمه ، وأنهك جسده ، وكان صلى الله عليه وسلم يمر عليه وهو بتلك الحال ينظر إليه فيبكي صلى الله عليه وسلم لما كان يعرف من حاله ونعمته.
عباد الله: مضى مصعب بن عمير يجر قدميه فوق الشوك يعالج طريق الجنة التي خفت بالمكاره ، حتى إذا سهل الله الفرج هاجر إلى الحبشة، فترك وطنه ، وودع حبيبه فارًا بدينه مع ثلة من المؤمنين الصادقين، وهناك في الحبشة يبلغهم أن قريشًا هادنت المسلمين فيعود مصعب مع من عاد ، فإذا قريش قد ازدادت شراسة عما كانت عليه من قبل ، ولا صحة لما بلغهم من أمر الهدنة ، فرجع مصعب فارا بدينه مع أهل الهجرة الثانية إلى الحبشة ، وتمضي الأيام ويعود مصعب إلى مكة ليشهد هذه المرة محنة الحصار في الشعب ، وفي الشعب صبر مصعب وصابر ، حتى أنهكه الجوع والعطش ، فخارت قواه وصار لا يقدر على المشي، والمسلمون يحملونه على أكتافهم ، يقول عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان مصعب أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا ، فلما أصابه ما أصابنا من شظف العيش لم يقو على ذلك ، فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا ..