عباد الله: سمعت طلائع الأنصار بالنبي صلى الله عليه وسلم فأبت إلا أن تسلم وتبايع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم أول سفير في الإسلام ، ذلكم الرجل الذي صقلته الأحداث ، ولم تثنه الدنيا بزخرفها عن الثبات على المبدأ والتمسك بالعقيدة، حتى ولو اجتمعت الدنيا بأجمعها على حربه .
انطلق مصعب بن عمير إلى المدينة معلمًا وداعية وإماما ، وما هي إلا أيام حتى تسلم المدينة كلها إلا من شاء الله على يد مصعب رضي الله عنه ، فما أهناه وأسعده ، الأنصار كلهم حسنة في ميزان حسناته رضي الله عنه .
أيها المسلمون: وحين أذن الله لنبيه بالقتال سمت همة ذلكم الشاب للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم والذود عنه ، ففي السنة الثالثة من الهجرة دفع النبي صلى الله عليه وسلم راية المسلمين في غزوة أحد إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه ، فما اهتزت في يده رغم شدة القتال ، ثم لما شاع في الناس مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكشف منهم من انكشف، ثبت مصعب مع القلة المؤمنة التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم ودفعت المشركين عنه، وأقبل رضي الله عنه يحمل الراية ويهتف مرددا قول الحق عز شأنه"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزئ الله الشاكرين"فتقدم إليه عدو الله ابن القمئة فشد عليه ، فضرب يده اليمنى فقطعها ، ثم أخذ رضي الله عنه اللواء بيده اليسرى حتى لا يقع فضرب ابن القمئة يده اليسرى فقطعها ، فانحنى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره ، فحمل عليه عدو الله الثالثة فأهوى بالرمح على جسده الطاهر، فخر رضي الله عنه على الأرض صريعًا .