فهرس الكتاب

الصفحة 3729 من 13021

يقول عمر بن عبد العزيز في حال القبور:إذا مررت بهم فنادهم أن كنت منادياَ،وادعهم إن كنت داعياَ،ومر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم،سل غنيهم ما بقي من غناه؟وسل فقيرهم مابقي من فقره؟واسألهم عن الألسنة التي كانوا بها يتكلمون،وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون،وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الأكفان،أُكلت اللحيان وعُفرت الوجوه،ومُحت المحاسن وكُسَّرت الفقرات،وبانت الأعضاء،ومُزقت الأشلاء،أين حجابهم وقبابهم؟وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم؟وكأنهم ماوطئوا فراشًا،ولاوضعوا هنا متكأ، ولاغرسوا شجرًا،ولا أنزلوهم من اللحد قرارًا، اليسوا في منازل الخلوات؟أليس الليل والنهار عليهم سواء؟أليسوا في مدلهمة ظلماء؟قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة،كم من ناعم وناعمة أضحوا وجوههم بالية،وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم ممزقة،وقد سالت الحدق على الوجنات،وامتلأت الأفواه دمًا وصديدًا ،ودبت دواب الأرض في أجسادهم،ففرقت أعضاءهم،ثم لم يلبثوا إلا يسيرًا حتى عادت العظام رميمًا ،فقد فارقوا والله الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق، قد تزوجت نساؤهم، وتردت في الطرق أبناؤهم، وتوزعت القرابات ديارهم وقراهم فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته ،ياساكن القبر غدًا مالذي غرك من الدنيا؟أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟وأين ثمارك الينعة؟وأين رقاق ثيابك؟واين طيب بخورك؟وأين كسوتك لصيفك ولشتاءك؟أما رأيته قد زل به الأمر،فما يدفع عن نفسه دخلًا وهو يرشح عرقًا،ويتلمظ عطشًا،يتقلب في سكرات الموت و غمراته، جاء الأمر من السماء،وجاء غالب القدر والقضاء،هيهات يامغمض الوالد والأخ والولد وغاسله يامكفن الميت ومدخله لقبره وراجعًا عنه، ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يامجاور الهلكات صرت في محلة الموت،ليت شعري مالذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت