فإذا به يصلي أمامي ثم قام بعد ذلك وأحضر المصحف الشريف ووضعه أمامه وفتحه مباشرة دون أن يقلب الأوراق ووضع أصبعه على هذه الآية من سورة مريم: { يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} (2) ، ثم أجهش بالبكاء ،وبكيت معه طويلًا،فقام ومسح الدمع من عيني ، ثم قبل رأسي ويدي، وقال بالإشارة المتبادلة بيني وبينه ما معناه صلي يا والدي قبل أن توضع في التراب، وتكون رهين العذاب، وكنت والله العظيم في دهشة وخوف لا يعلمه إلا الله، فقمت على الفور بإضاءة أنوار البيت جميعها،وكان ابني مروان يلاحقني من غرفة إلى غرفة وينظر إليَّ باستغراب وقال لي:دع الأنوار.وهيا بنا إلى المسجد الكبير -ويقصد الحرم النبوي الشريف- فقلت له:بل نذهب إلى المسجد المجاور لمنزلنا،فأبى إلا الحرم فأخذته إلى هناك وأنا في خوف شديد، وكانت نظراته لا تفارقني البتة،ودخلنا الروضة الشريفة وكانت مليئة بالناس وأقيم لصلاة العشاء وإذا بالإمام يقرأ من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (5) .فلم أتمالك نفسي من البكاء ومروان بجانبي يبكي لبكائي،وبعد انتهاء الصلاة ظللت أبكي وهو يمسح دموعي ، حتى أني جلست في الحرم ساعة كاملة،فقال لي ابني مروان: يا أبي لا تخف ..فقد خاف علي من شدة البكاء ، وعدنا إلى المنزل فأحضر لي ماء وكانت هذه الليلة من أعظم الليالي عندي إذ ولدت فيها من جديد.