فهرس الكتاب

الصفحة 3938 من 13021

ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يتطيرون» : أي: لا يتشاءمون بالطيور ولا بالشهور ونحوها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطيرة شرك» [رواه أبو داود] .

«وعلى ربهم يتوكلون» أي: يعتمدون على الله وحده لا شريك له في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب المشروعة.

والحديث - عباد الله - لا يدل على أن المحقيقين للتوحيد لا يباشرون الأسباب، وإنما المقصود أنهم يتركون الأمور المكروهة، كالاكتواء، والاستقراء، مع حاجتهم إليها لكمال توكلهم على الله - عز وجل-.

أما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيها؛ كأن يرقي الإنسان نفسه، أو يستشفي بالعسل أو الحبة السوداء، أو نحو ذلك، فليس تركه مشروعًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تداووا فإن الله - تعالى - لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاء، عَلِمه من عَلِمه، وجَهله من جَهله» [رواه أحمد] .

وفي الصحيح، عن ابن عباس مرفوعًا: «الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهي أمتي عن الكي» وفي لفظ: «وما أحب أن أكتوي» .

قال ابن القيم: قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنوع: أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي

عنه، ولا تعارض بينها فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته لا

يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي: في تحقيق التوحيد، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هم الذين أخلصوا أعمالهم

وتركوا ما لا بأس به، حذرًا مما به البأس، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، فمن تركهما توكلًا لا تجلدًا ولا تصبرًا فهو من كمال تحقيق التوحيد، ومن تركهما تجلدًا وتصبرًا لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلًا عن أن يكون من تحقيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت