فهرس الكتاب
عباد الله: ما تحدث المتحدثون، ولا درس الدارسون كتابًا أفضل من كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، هو حبل الله المتين، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، قال الله فيه: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } .
أنزله الله من عنده فهو المتكلم به سبحانه، أنزله على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المنذرين، فيه البشارة للمؤمنين بالأجر العظيم، والنذارة لغيرهم بالعذاب الأليم، جعله الله مباركًا في كل شيء.
في أثره فهو مؤثر على القلوب والأبدان تزل وتخشع عند سماعه، وتستكين لله سبحانه { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ، لو أنزل على جبل لتشقق الجبل، وتكسر وتذلل خوفًا من الله سبحانه، هذا وهو جبل جامد، فكيف بالقلوب الحية؟!
ومن بركته أنه شفاء لأمراض القلوب والأبدان، فهو يليّن القلب القاسي، ويشقي اللديغ، ويداوي الجريح، { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا } .
أيها المسلمون: والقرآن مبارك في ثوابه، فمن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.
والقرآن مبارك في آثاره، فيه فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها، وبه دخلوا بلاد كسرى وقيصر، وبه فتحوا القلوب وأدخلوها في الإسلام، عزت الأمة وارتفعت حينما تمسكت وعملت به، وذلت وهانت حين تركته وأعرضت عنه، { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } .