فهرس الكتاب
إن الخوف من الله: حصن من المهلك وحماية دون المنزلقات، والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك؛ بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًا لازمًا، بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله - عز وجل - لم يكن محمودًا.
قال الحسن: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن.
فإذن لا بد من الجمع بين هذه الأمور، وغلبة الخوف هو الأصلح، ولكن قبل الإِشراف على الموت، أما عند الموت فالأصلح غلبة الرجاء وحسن الظن.
قال ابن القيم: القلب في سيره إلى الله - عز وجل - بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان، فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضه لكل صائد وكاسر.
وقد أثنى الله - عز وجل - على من قرن الخوف بالرجاء في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، فقال - تعالى - في حق الأنبياء عليهم السلام: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] .
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله-: الخشية أبدًا متضمنة للرجاء ولولا ذلك لكانت قنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمنًا، فأهل الخوف لله والرجاء له، هم أهل العلم الذين مدحهم الله.
جعلني الله وإياكم ممن يستعد ليوم الحساب والمعاد.
هذا، وصلوا وسلموا...
الخطبة الأولى [1]
(1) خطبة رقم (37) : باب قوله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] .