عباد الله: إن الناظر في واقع الناس اليوم يرى كيف أن الدنيا قد ألقت بظلالها على حياتهم ، فعصفت بكثير من الأخلاق والقيم ، وأنست كثيرًا من الحقوق والمثل ، فتباعدت القلوب ، وتنافرت النفوس ، حتى رأينا من عق أباه وقطع أخاه ، وهجر جاره ، ورأينا كذلك جارين في حي واحد، بل في بناية واحدة يتجاوران سنوات عديدة، لا يدخل أحدهم منزل جاره ولا يتفقّد أحواله خلال هذه المدة، وقد يسافر الجار أو يمرض أو يحزن أو يفرح وجاره لم يشعر بذلك، ولم يشاركه في أفراحه وأتراحه، بل قد ترى الشقاق والنزاع محتدمًا بين الجيران، والعداء ظاهرًا بينهم بالقول أو الفعل، فأضيعت وللأسف الحقوق ، وقام بين الناس سوق القطيعة والعقوق إلا من رحم الله تعالى ، ولا بد لتدارك ذلك عباد الله من وقفة نراجع فيها أنفسنا ، ونصحح فيها أحوالنا ونعمل من خلالها على تلمس حاجات جيراننا والإحسان إليهم وكف الأذى عنهم.
مر الإمام مالك بن انس رحمه الله على امرأة وهي تنشد تقول:
أنت خلي وأنت حرمة جاري * وحقيق علي حفظ الجوار
إن للجار إن تغيب عينا * حافظا للمغيب والأسرار
ما أبالي إن كان للباب ستر * مسبل أم بقى بغير ستار
فقال مالك: علموا أهلكم هذا و أمثاله .
عبدالله: إن جملة ما يحق لجارك عليك أن تسلم عليه إذا لقيته ، وإن مرض عدته، وإن مات شيعته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقثار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، وجماع حقوق الجار على جاره قوله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه ... رواه مسلم .