عباد الله: إن شكر النعم قد يكون باللسان وذلك بأن نحمد الله ونثني عليه مقابل إنعامه علينا ، وقد يكون الشكر بالفعل ، ولذلك صورٌ متعددة: منها ترك الإسراف والتبذير ، وترك المباهاة والتفاخر ، ومنها أيضًا مواساة المحتاجين والفقراء ممن يبيتون في العراء ، يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء ، بلا سكن ولا مأوى ، ولا لباس ولا غطاء، عصفت بهم الكوارث والنكبات ، وشردتهم الزلازل والفيضانات ، إنهم إخواننا وبعضهم من بني جلدتنا ، فلنمد إليهم يد المعونة والمساعدة ، ولنغنهم عن السؤال في هذ الأيام، ولنؤثر إخواننا ولو بفضل حاجتنا ، وبما استغنت عنه أنفسنا من ملابس الأعوام الماضية ولنتذكر أن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ....
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على رسوله الذي أصطفى وعلى آله وصحبه ومن اقتدى وسلم تسليمًا كثيرا .
أما بعد فيا عباد الله: أخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الشتاء ربيع المؤمن ) .
قال ابن رجب رحمه الله في اللطائف: وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات ، ويسرح في ميادين العبادات ، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسِّر فيه ، كما ترتع البهائم في المرعى الربيع ، فتسمن وتصلح أجسادها ، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات ، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقه ولا كلفه تحصل له من جوع ولا عطش فإن نهاره قصير بارد ، فلا يحس فيه بمشقة الصيام ، جاء في المسند والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة"، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة قالوا: بلى ، فيقول: الصيام في الشتاء .