ثم يبرز السياق القرآني آيات الملك وعلامات السلطان في قوله تعالى: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } .
جنود كثيرة هائلة ، من كل الخلائق ، من الجن والأنس ، والطير والشياطين ، يوزَعون يُدبَّرون وينُظَّمون ، فالدين دين النظام لا دين فوضى وتمرد ، وجديرٌ بالناس أن لا يتذمروا من تطبيق النظام في حياتهم وأعمالهم ومدارسهم ، لأن هذا النظام يقوم بمصلحتهم ويحفظ أخلاقهم وحقوقهم.
إن الدعوة إلى التسيب دعوة شريرة ، يتبناها أعداء الفضيلة والنظام، يريدون بها خلخلة المجتمعات وتربيتها على الفوضى والتمرد ونبذ الأخلاق، والاستخفاف بحقوق الآخرين، بدعوى الحرية المزعومة .
ثم قال سبحانه: { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } .
هذا نداء تحذير ، وصرخة نذير، ونَفَس من أنفاس النصيحة، صدعت به هذه النملة الصغيرة الناصحة، ولله درها، كيف حملت هم هذا الوادي الكبير بما فيه من النمل، وهي الصغيرة في حجمها، الضئيلة في جسمها ، الضعيفة في قوتها، وقفت وقد رأت الجموع الهائلة، فتحركت للنصيحة، ونادت بنداء عذب مؤدب مهذب ، { َيا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لايَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَان وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } .
لقد حذرت هذه النملة من الخطر، وبينت الحل، ولم تكتف بالصراخ والعويل، واللطم والبكاء والشكوى، بل قدمت خطة عاجلة للحل السريع الناجع، ادخلوا مساكنكم .
وكم نحن بحاجة إلى هذه التصور العميق في حل المشكلات ، يجب أن نقدم الحلول بعد تشخيص المشكلات، فالتلاوم والتشكي لا يُزيل المشكلة ، ولا يرفع البلاء .