فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 619

بها صناع القرار من قبل، لا صلح لا مفاوضات لا استسلام، وفي الحقيقة كان الصلح والمفاوضات والاستسلام. كانت امتنا تعيش على الاشاعة وترهبها الأشاعة، لقد استطاعت مجزرة دير ياسين أن ترهب الفلسطينين، وتدب الرعب في قلوبهم فقتل خمسون فلسطينيا، وهجر من إعلام تلك الإشاعة أقل من مليون فلسطيني، تعودت أمتنا على النكبات وكان أعلامها موجه لإرهابها وإضعافها وليس لتقويتها وغرس الثقة فيها. كان الزرقاوي قدرا ربانيا تربى في ظل الإسلام، ونهل من معينه الثري، فوطن نفسه على الإسلام، وصقل نفسه بالجهاد ففتح الله عليه، كان يحمل بين جنبيه نفسا أبيه تعانق السماء، لا يضع لعدوه قيمة كبيرة، ولا يأبه له، ويفكر بعقلية عدوه ووسائله المكافئة، يعظم الله ويخافه، فخوف الله منه عدوه، كان عدوه صغيرا حقيرا في نظره، بل أهون من الذر كما كان يقول من قبل، لقد كان الزرقاوي شامخ النفس ذا عزم وجد، عالي الهمة لا يبالي بالمنون:

إذا غامرت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

رجل لم يرض الدنية في دينه، وقام بالدفاع عن أمته بعزة المجاهد ويقين المؤمن. حاول أعدائه أن ينالوا منه في أرض المعركة فلم يجدوا شيئا يطعنوا به فقد اقتربت صفاته من الكمال النسبي حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا أربع"فأخذوا يطعنون بشبابه حينما كان عمره عشرون سنة. لم تكن له فتوة من قبل، كان يعيش كما يعيش الناس، لكنه كان يحقق ذاته برجولته الأبية منذ صغره، لم تكن له علامات فارقة عن بقية أقرانه، التقيت أقرانه قبل الالتزام فأثنوا عليه خيرا، وقالوا ظلم أبو مصعب، وكذب عليه كثير وشوهت صورته. لم يطعن به أحد من معارفه الذين التقيتهم أو يعيب عليه خلق، لم يكن كما صوره بعض أعدائه، لكنه كان قويا، ولم يكن بلطجيا، لقد كان حقانيا منذ البداية، كان قويا ويحقق ذاته بقوته، ولا يسمح لأحد أن يتمرد أو يستعلي عليه ... كان معروفا ومشهورا في حارته، وكان أكبر إخوته من الشباب، وأقواهم، و معروفا عنه أنه يجبل التراب لأهل الموتى حتى يوضع داخل القبر، كذلك يأتي بشجر النخيل الصغير ويبيعه لأهل الموتى في أيام الأعياد وغيرها، كان التسول لدى الشباب ظاهرة عند الفتية اليافعين وخاصة في أيام الأعياد.

كان صاحبا للشهيد أحمد الزواهرة الذي قضى حرقا في أحد الخمارات، بعد أن دخلها ليدمرها، ويكسر الزجاجات فيها، لكن قدره سبق أمره فاحترقت الخمارة لخطأ ارتكبه أحد أصحابه، وذلك حينما أراد أن يرى في الظلام فرمى عود ثقاب لم يكن قد احترق بعد، لكنه حين سقط عود الثقاب على الأرض تفاعل مع الخمرة فاحترقت الخمارة وقضى شهيدا، ولم يستطع أن ينقذ نفسه وأحترق الزواهرة وكان أبو مصعب يتذكر أحمد الزواهرة ويحزن لحاله الذي قضى بها. بعض المرجفين أراد أن يجعل الفترة السابقة في حياته، والتي لا يخلو أحد منا إلا وتكون له جهالة، أراد أن يجعلها علامة فارقة في حياة الزرقاوي، ونقطة سوداء في تاريخه، لم يكن حربجيا ولا بلطجيا ولا سفاحا، كان رجلا به شهامة ولا يرضى ان يذل، يتحدى خصمه بأدب، كان رجلا ولم تكن به جهالات متعارف عليها بين أقرانه لكنهم أجمعوا على رجولته وقوته في صغره ...

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم له أعداء وخصوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت