فانخرطوا بالسياسات لعلها تجنيهم عسلا وسمنا. كانت هذه النقلة النوعية، ووضوح الراية وثبات المجاهدين في صفوفهم، أدت إلى أن يقوم المجاهدون بأخذ زمام المبادرة في العراق حيث الخطاب السياسي والعسكري لقيادات مجاهدة تسعى لقطف الثماروإعلان هدفهم المنشود باعلاء كلمة الله وقيام دولة الإسلام في العراق .. كانت رسالة الزرقاوي شاملة كذلك، فقد كانت تعنى بالتوحيد حسب فهم السلف، والعودة إلى معالم الدين وعدم تمييعه إلى جانب الجهاد، فكان يبين حقيقة التوحيد ومفهومه حسب فهم السلف الصالح بتوحيد الألوهية، والتي لا بد لها أن تصطدم مع الحواجز الأرضية تلك التي تقف سدا منيعا في وجه تقدم هذا الدين وهذه هي السب في خصومة الأنبياء وأهل التوحيد لأعداء التوحيد والإسلام.
طوع أعداء الإسلام تقدمهم العلمي ومدنيتهم الحضارية لخدمة أحط الغرائز وأخس ألأمنيات. وقاموا بتهيئة ظروف العالم لأجواء متنازعة وحروب متتالية خدمة لمطامعهم الدنيئة ومصالحهم النتنة، لم يبرحوا الأنتهاء من حرب حتى يختلقوا غيرها. قاموا بتعليق سياساتهم بأطماع لا حد لها ولا حصر. فهم في أحلام متسارعة، وآمال متجددة، ونهم متزايد. سياستهم الصليبية ومصلحتهم المادية هي الثابت الوحيد عندهم، تلك التي تقوم على تغييرالدين والملة إضافة إلى إشباع غرائزهم وتسكين شبقها. وما سوى ذلك من قيم ومعاني خلقية فهي متغيرة، وطوع لتلك المعطيات والمصالح التي تناسب توجهاتهم ومطامحهم. استنفذت سياساتهم ومصالحهم أخلاقهم وقيمهم. فحسب تصورهم المقيت أن الإنسان -كل الإنسان - لا بد أن يكون تابعا لهم ويسير في فلكهم وحسب تصورهم .. حسدوا المسلمين على دينهم فأرادوا تغييره، واستكثروا على المسلمين بدوافعهم الصليبية ما تحويه أرض المسلمين من خيرات ومدخرات وكنوز، فكان لا بد أن يكونوا هم أحق الناس بها وأولى، فهم السادة وغيرهم العبيد، ووفق تلك المعادلة يجب أن يكون الناس تبعا لهم، وقاعدتهم في ذلك"الغاية تبرر الوسيلة". لكن سنة التدافع التي وضعها الله سبحانه وتعالى لدفع فساد بني البشر بالجهاد والتي أوضحت أن"الكبر بطر الحق وغمط الناس"جعلتهم يفقدون جزء من استراتيجيتهم، ويغيرون في خططهم وسياساتهم.
فحين غزو بلادنا تحت مبررات الديمقراطية البراقة والحرية المزيفة والعولمة بحداثيتها"النتنة"، صدق سذج أمتنا -من المنتسبين للثقافة والسياسة زورا وبهتانا- تلك الشعارات المهترئة، والمضامين البراقة كالديمقراطية وسياسة الأنفتاح والتنمية السياسية، وغيرها من شعارات مشبوهة وجوفاء، تلك التي تستهدف حصرا حضارتنا المتقدمة والتي هي عالمية بطبيعتها، قال تعالى (وما أرسلناك إلى كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) تلك الحضارة العالمية التي هي نبراسا للبشرية ونورا يستضاء به:
أنا عالمي ليس لي أرض أسميها بلادي
دعاة التحرير أولئك يأكلون ولا يشبعون، ويشربون ولا يروون، هم في نهم متزايد، وشبق لا ينتهي، مصالحهم متشابكة فما ينتهوا من شبكة إلا وتجرهم إلى أخرى ...