أتقن العربية بهذه الصورة .. أحببت الأفغان من صميم قلبي، فقد كنت اشعر عندهم أني منهم ومعهم، كانوا يخجلون من أنفسهم، رغما أنهم أهل تضحية وصبر، فينظرون لما نقدمه وإن كان بسيطا، فهو عندهم عظيم ويقدمون أضعاف ما نقدم فيرونه قليلا كانوا يشعرون أننا أبناءهم المدللين .. شعب أرادوا الحياة فكتب الله له العزة، وتربى على الصبر فعشق لون الدماء. شاطرهم اخوتهم المجاهدين العرب والمسلمون خيارهم ذاك، فأصبحوا يحبون الموت كما احبه الأفغان. تحملوا عن الأفغان جزءا من البلاء فأراحوا بعضهم، وأجزلوا لهم المثوبة، وذلك لأنهم أهدوهم تلك الفرصة الثمينة لينطلقوا من خلالها إلى الجهاد والحياة ..
حين يعبر المرء تعبر طورخم فهناك في المضيق الجبلي بوابات تفصل الحدود الأفغانية عن الباكستانية، بعد البوابة الأفغانية هناك مقرات المجاهدين المقابلة لبوابة الباكستانيين، ويوجد في اسفل الجبل المتصل مع الحدود الباكستانية معسكر خلفي للقاعدة، حيث هناك مقبرة الشهداء العرب الذين سقطوا في جلال أباد، اختارت القاعدة هذه المقبرة لتدفن شهداء العرب هناك، إذ لم يكن من السهل دفن المجاهدين العرب في مواقعهم بأرض المعركة فقد كانت المنطقة أرض للنار ومحترقة وكان المجاهدون يتوقعون استرداد هذه المواقع منهم من قبل الشيوعيين فقد كانت آلتهم ضخمة ويدكون المجاهدين بشتى أنواع السلاح والذخيرة، ولذلك كانوا ينقلون الشهداء الى المواقع الخلفية، ويتوقع المجاهدون أن يتقدم العدو فخافوا على شهدائهم من العبث بقبورهم. استشهد في جلال أباد وحدها ما يزيد عن ثلاثمائة مجاهد عربي، وأما الأفغان فربما وصل أعداد شهدائهم في تلك المعارك التي سقط فيها المجاهدون العرب ربما يصلوا إلى آلاف .. كنت أحسب أن ما قتل في افغانستان ألى وقتنا الحالي من المجاهدين العرب، ربما لا يزيد عن ألفين شهيد عربي حسب تصوري لأعداد الشهداء العرب في افغانستان، وذلك في وقت قتال العرب للروس والدولة الشيوعية، وأيضا في قتالهم لمسعود مع الحزب، وقتالهم إلى جانب الطالبان ضد مسعود.
مع نهاية الإرتفاعات الجبلية ترى أرضا منخفظة وسهلية، فيها جبال متصلة ثم تنقطع على امتداد الطريق، فترى أرضا منبسطة وسهلية شبيهة بالمناطق الصحراوية، فيها اخضرار حيث يتواجد الماء وترى الجبال الرواسي كأنها نابتة فيها تتوسع وتضيق، نراها وكأننا في غابة أشجار واسعة بها جبال، ترى نفسك أنك تسير في أرض غير الأرض وسماء غير السماء، هناك في الأفق بعض الجبال الممتدة. كان الطريق يمخر بنا، وهو طريق إسفلتي قد اهترى كثيرا منه بفعل القصف ومرور الناقلات الكبيرة، السيارات تنطلق بسرعة كبيرة خوفا من القصف، وكذلك ترى الشعث الغبر المجاهدين يمتشقون أسلحتهم، وقد عادوا من الجبهة مثقلين بآلام الجراح، في حين نرى آخرين قد رفعوا هاماتهم باتجاه السماء ساخرين من آلة الشيوعيين العسكرية وهم يبتسمون للموت ... ينظرون إليك نظرة الوداع وكم رأينا مجاهدين مرة ثم لم نراهم أخرى. كانت بكبات الأجرة تحمل الأولاد والنساء من الخلف