فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 619

الأمن بالرجوع بسرعة، كان إخوة أبو مصعب قد استعدو للمواجهة ووضعوا الأسرة خلف الأبواب وأغلقوها في وجه رجال الأمن حتى يتقوا قنابل الغاز المتكررة، كان عبد الهادي دغلس يقول لهم:"نحن جئنا لنموت". ورأوا أن الله أكرمهم فلم يؤثر فيهم الغاز الذي إلقي عليهم بقوة، وكان موقعهم مغلق فذهب الغاز لوجهته وسلمهم الله من ضرره، وكان اخوة أبو مصعب يعتبرونها كرامة من الله في سجنهم، وتتابع الضغط عليهم وكانوا محاصرين فلم يلينوا وأصروا على المواجهة. وأثناء حصارهم في تلك الأزمة نام الشباب جميعهم وبقي الزرقاوي وحده، فرأى أحد أصحابه في منامه: أن خالد بن الوليد ومجموعة من الصحابة يحملون سيوفهم قد جاءوا لنجدتهم، وهم في حالة حرب حقيقية -بتصورهم- فقال له خالد رضي الله عنه: (لا تهتم ... كفى الله المؤمنين القتال) استيقض أخوه من نومه فرحا، وقص رؤياه على الزرقاوي ففرح كثيرا- وكان أبومصعب يستأنس بالرؤى ويعتبرها إقامة حجة وتثبيت حاجة لهم- فلم تلبث تلك الجموع الحاشدة دقائق حتى ذهبت من أمامهم، ثم بعثت الإدارة لإبي مصعب التفاوض معهم، وانتهت أزمتهم مع الإدارة، كانت طبيعة أبو مصعب لاتقبل التفاوض في المسائل الجوهرية، فالأمور عنده محسومة، وأصبح السجناء عموما يسمون مجموعة الزرقاوي جماعة التصعيد. كان أحد المثقفين مسجونا في مهجع السياسيين فقال لي: أنه قال لليث شبيلات حين كانت أزمة السجناء مع الإدارة:"لماذا لا نقف في صف السجناء الشيوخ، فهم يدافعون عن السجناء عامة، وغدا سيأتي أحدهم ويذلنا جميعا"فساهم ليث وغيره بالوقوف مع السجناء تجاه الأزمة التي حصلت، وكان قد تكلم شبيلات مع الملك حسين بشأن خروج السياسيين المعتقلين الزرقاوي ومجموعته فقال له الملك:"لن يخرجوا من السجن فهؤلاء يكفرونني". لكن الله من عليهم بالخروج من السجن بعد وفاة الملك حسين. كانت بداية الأزمات في فترة أمارة أبو محمد المقدسي، كان المقدسي زاهدا في الإمارة ولم يحبها، وعندما أصبح أميرا كثر همه، وأصبحت هناك مسؤولية جماعية عليه. صعوبة تكليفه بالإمارة وتبعياتها جعلته لا يستطيع القيام بمسؤوليات إخوته في نطاق إمارته، كذلك لم يكن تعامله مع الإدارة بشكل جدي بتصور إخوته، كانت طبيعته الرخية لا تمكنه من القيام بمسؤولية الإمارة التي تحتاج إلى حزم وضبط، رأى إخوته أن هناك تساهل في أشياء جديرة أن تكون على غير ذاك النمط، فكانوا يريدون أن تكون القرارت جماعية وشورى، وحين يراجعه إخوته بشأن مسؤولياته كان يجيب: أنا لا أستطيع أن أكون مسؤولا أو أميرا. لم تكن الإمارة تلبي طموحه، وكان يشعر أنها تضيع من وقته وترهقه وتشغله عن مهماته الرئيسة. عاش المقدسي بين نظريات الكتابة والقراءة والدعوة، ولم يعش حياة عملية كالتي في السجن من قبل، تغيرعليه الوضع في تلك الفترة، وبالجملة كان المقدسي يود أن يريح نفسه ولا يوجع رأسه في سجنه، فاتفق إخوته على أن الإمارة بهذا الشكل تسير بهم في اتجاه خاطىء.

خلال الشهور الثلاثة الإولى من السجن كانت تعتريهم أزمات وعقبات وكانوا في حالة شدة وبلاء، اعتبروا سجنهم إقامة دائمة وحياة طويلة، وقد دفعهم هذا الوضع الى التفكير بأسس ودوافع ينطلقون منها للتعامل مع إدارة السجن، فلم يشغلوا أنفسهم بأحلام العفو وآمال الرحيل والترقب والانتظارالتي ترهق النفس وتحطم الآمال، فهي يأس فوق يأس، وظلمات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت