الحديث، يحرص أن يكون هنالك ميزانا يحتكم اليه عند الخصومة مع غيره ليعود كلاهما مجددا إلى الكتاب والسنة، أسلوب حديثه مع الآخرين يوحي للسامع أنه صاحب علم وفقه ودين ورجل ذا هيبة، حين يتحدث في الرقائق يجد السامع لقوله عجبا .. توسع أفقه الثقافي والديني والعسكري في الجهاد ... ويقضي وقتا طويلا في المطالعة والتعلم ويبحث عن تحقيق ما يصبو إليه ..
عاش الزرقاوي طفولته بالزرقاء في حي معصوم قرب المقبرة، واعتاد رؤية الموت يتجدد أمام ناظريه كل يوم، فالجنائز التي تدفن على مرأى من بيته، كفيلة أن تحرك دواعي الفطرة في نفسه، وتردها إلى الله فتوجهها التوجه الحق، كان بيت أبو مصعب من أقرب البيوت للمقبرة بل يعد بمثابة برج مراقبة لا يغيب عنهم شاردة ولا واردة ألا رأوها. . .نشأ ابو مصعب في حارات حي معصوم يلعب الكرة ويعيش أجواء فوضى الفتيان كبقية أبناء جنسه، كان بين تلك الحارات ثارات وتارات، تعلم الفتيان فنونها فصقلت شخصياتهم وساهمت في بنائها مما أشعرهم أنهم رجال، كان التحدي بين الفتية تصنعه كبرياؤهم في فترات المراهقة تلك، الحافلة بالتميّزوالعطاء وبناء الشخصيته وقوة الذات، التي تفرض قوتها واحترامها على الآخرين. لقد كان متميّزا بين أبناء جيله، إضافة إلى تميزه في المراحل الدراسية المختلفة وذكائه، وكذلك تميزه بين أشقائه. في مراحل عمره الأولى كان يخافه من يعرفه من أقرانه، إضافة إلى حبهم له واحترامهم، فقد عرف بحزمه وقوته، وكذلك عرف عنه بحمله للعصى وهو صغير، ويحرص الذهاب مع والده ومرافقته أينما ذهب وحيثما ارتحل، تعود الفتى على ذلك، فقد كان أبوه وجيها في عشيرته ومختارا لها، يحسب له حساب وذا هيبة شديدة ووقار. اكتسب من صفات والده شيئا كثيرا، ولاحظ عليه أهله ملامح الرجولة والشجاعة منذ الصغر، كان أبوه يدرك تلك الملامح في فتاه اليافع ويغرسها فيه.
قال لي والده رحمه الله:"أنه كان يقاتل مع مجموعة القائد عبد الله التل في فلسطين، وكانت تجري بينهم وبين اليهود معارك حامية الوطيس، وقد قتلوا أثناء المعارك قريبا من سبعين يهوديا، في الوقت الذي كان اليهود يقومون بقتل الفلسطيين بلا هوادة، وأكد والده أنه قتل وحده أثنى عشر يهوديا منهن مجندتين يهوديتين، كانت إحداهما قد أزهقت أرواح بعض المقاتلين بتصويبها عليهم من برجها، فقام والد الزرقاوي بالرماية عليها وتصويبها بدقة، وأنزلها عن برجها جثة هامدة، ثم ذكر لي أن اليهود حاصروهم وقطعت عنهم الأمدادت، فتقدم اليهم القائد عبد الله التل لنجدتهم، وأخرجهم من الحصار المضروب عليهم، وأنقذهم من خطر محدق بهم وموت محقق. أعجب أبو مصعب برجولة أبيه، وتربى في أحضان والده المقاتل. وحين ذهب أبو مصعب للجهاد أعتز والده بذلك، أراد الزرقاوي أن يكمل طريق والده، فقد كان يشعر أنه امتداد لوالده، فالولد من سعي ابيه (وأن ليس للانسان الا ما سعى) تخلق الفتى بأخلاق أبيه، كان أبوه مقاتلا شجاعا مهيبا، ويحب مجالسته والاستماع لبطولاتهم بدفاعهم عن أرض الإسلام فلسطين. في عام (1987) انطلقت الإنتفاضة الفلسطينية المباركة، فهدى الله تعالى في حيه مجموعة كبيرة من الشباب في فترة واحدة على إثرها، كان الزرقاوي أحد أولئك السائرين في ركاب المهتدين، هداية"