فهرس الكتاب
الحور العين، فكان عرسا لشهيدهم البطل وسيدهم الكبير، امتزجت عبراتهم بحزن قلوبهم وفرح نفوسهم، فكان نعم العزاء عزائهم. كان أهله يتقلبون في أحوال شتى، كلها رضى عن الله تعالى، فتارة قلوبهم فرحة بعرسه، وأخرى حزينة على فراقه، وثالثة مبتهجة لرفعته وعلو شأنه. حتى قالت شقيقته التي أحبها حبا جما بحزن وفرح مؤلم"إن كان قتل أبو مصعب فقد نال ما تمنى، فلم الحزن على شيء تمناه فناله على خير وجه، نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدا. هجمت حقيقة الخبر على نفوسنا هجوما، فكان وقع خبر استشهاده علينا كبيرا. لم يكن يوم استشهاد الزرقاوي حدثا عاديا أو مشهدا عابرا، بل كان يوما مريعا ومشهدا اتشح بالسواد، زلزلت له قلوب كثير من الناس وذرفت له الدموع حزنا على فقدان صنديدا وبطلا انتصرلأمته وجاهد لإعلاء كلمة الله. كان لوقع شهادته أثرا كبيراحيث كان حدثا مزلزلا ومدويا تقاسم في حمله القاصي والداني تأثرا لمقتله. ولقد أعاد لنا مشهد قتل أبي مصعب أحداثا تاريخية مهولة ومروعة مرت بها أمتنا، تلك التي كان الحزن يخيم على أصحابها حينما يفتقدون قادتهم، وهم في أمس الحاجة إليهم، ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون للتاريخ مراحل ورجال ولكل مرحلة رجال، يعملون بما يعلمون فيصلحون ما أفسد الناس، ويبذلون مهجهم وأرواحهم ليعطوا ما منع الناس ويكملوا ما أنقصوا، ويجددوا من اندثر من سنن، ويحيوا ما بلي منها، أدوا الأمانة بصدق وجاهدوا في الله حق جهاده يبذلون جهدهم بجهادهم، ثم يختارهم الله لجواره فيسلموا الراية لمن بعدهم (ويتخذ منكم شهداء) يعطيهم ما تمنوا، بعد أن حققوا أمانيهم في الجهاد والشهادة، يبتغون بذلك عزة الإسلام، واستعملهم الله بطاعتهم فأقامهم لتثبيت بناء الإسلام ورفع رايته وأيدهم بنصره، نصرا ينصر الله به من يشاء من عباده، وذلا يذل به أهل الشرك اللئام. ورحمة من الله وفضلا لعباده المجاهدين والمؤمنين، وعدلا من الله وحكما في أهل الظلم والظالمين .. اختلط الحزن بالفرح، كانت شهادته صدمة مفاجئة للمسلمين عامة، فلم تكتحل عينهم برؤية البطل الأشم، حتى بادرتهم شهادته، فكان ظهوره وداعا بعد سنوات حافلة من العطاء والجهاد في العراق وأفغانستان تزيد عن سبع سنين، كان لسان حاله يقول للمسلمين محذرهم إياهم من مغبة الركون إلى الدنيا وفتنتها وبذل الجهد والعمل لدين الله بجد وتفان:"
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فأربىء بنفسك أن ترعى مع الهمل
رحل برفعة وشهادة، فقد رفعه الله فاهتم بأمره العدو والصديق، وتلقي نبأ خبره أيضا والبعيد والقريب، ولقد فرض احترامه وهيبته على أعدائه، فتقبلوا شهادته بسرور وإكبار، فكان بحق عمر المختار.
إرهاصات الشهادة
هيبة القائد فوداعا زرقاوي
كان الزرقاوي أحد تلك الكوكبة التي تميزت بالشهرة والنبوغ وقامت بقسطها الوافر في تخليد المآثر الجهادية وتسجيل أروع المشاهد والأحداث، والدفاع عن الجهاد وحمى الإسلام