توجهنا إلى مركز مجاهدين قرب منطقة غلام داك وشرق مواقع الشيوعيين، مكثت أياما معدودة، وكان الطلبة يتنقلون هناك وبقيت مع المجاهدين وحدي أعيش معهم، كانوا يوقدون الحطب في غرفتهم وهي مليئة بدخان الحطب من الصباح حتى المساء، دخل الدخان في جوفي و دمي من شدة استنشاقه، كنت اشعر أنني لا بد أن أكون مثل هؤلاء، لم أعش من قبل هذه التجربة بحياتها الجميلة ودخانها، كان المجاهدون يشربون الشاي مع الخبز في الصباح، وقبل الظهيرة يكونوا قد أعدوا الغداء، وهو مرق وقطع لحم قليلة يبقونها بعد أن يأكلوا الثريد- الخبز والمرق- ثم بعد أن يشبعوا يبدءوا بوجبة ثانية وهي اللحم مع الخبز، فتوزع اللحمة على عددنا بالقرعة أينا يبدأ باللحم ويكون التقسيم بالتساوي، وفي نهاية القرعة يوزع اللحم على الجميع ويكون نصيبه بقطعة اللحم ليأكلها مع الخبز بتأني وصبر، يأكلون اللحم والخبز على شبع ويأكلون الخبز والمرق على جوع، تلك فلسفة الأفغان في طعامهم بخطوطهم الأولى. كانت مواقع المجاهدين المتقدمة يعتنى بها بخلاف المؤخرة، فالحليب واللحم والشاي والسكر هذه ميزات المقدمة عند المجاهدين، بينما المؤخرة يكون شاي بغير سكر مع مستخلصات قصب السكر أو قطع حلوى مع الشاي، أما الطعام فيكون رزا بدون لحم أو ثريد. بقيت أياما هناك. كان القصف علينا متقطعا فما نلبث حتى نسمع صوت القذائف قد هوى علينا. لم أشعر بالغربة بين المجاهدين، كنت أحس أني منهم. كانوا يسألونني عن بلادي وعن أهلي، كذلك يسألون عن فلسطين وتألمهم لجراحها .. يشعرون أننا افضل منهم فيعجبون من أمرنا كيف وصلنا إليهم لنخدمهم ونجاهد معهم، كانوا هم أصحاب شعور ومشاعر، بينما نحن المسلمون تجاههم أصحاب شعر وأشعار. تراهم يتحدثون طويلا وهم ينظرون إليك ويداعبونك بلغتهم البشتو قائلين:"إنها لغة أهل النار"وذلك لصعوبة تعلمها، ترى انك أصبحت مادة حديثهم جمعيا. لقد شعرت انهم أهلي، قال لي أحد المجاهدين وأصحابه يسمعونه:"إذا تبقى عندنا ولا تعود الى وطنك أزوجك ابنتي"... وقدكان بعض المجاهدين العرب أساءوا لبعض الأفغان حين تزوجوا من بناتهم ثم تركوهن بغير أدب الاسلام ولا شريعته فتأذوا بعضهم من ذلك وكذلك يرحص الأفغان على عدم زواج بناتهم من غرباء فهم يشعرون أنهم يقطعون رحمهم في ذلك وذلك لتغير الضروف بينما حين استقر العرب في كابل واختلطوا بالأفغان فتزوج بعض العرب من أفغانيات، بل كان معي في السجن السري للأمريكان بباكستان أحد الليبيين وقد تزوج من أفغانية وله منها ولد فكان معجب بزوجته ودائم التفكير بها وصفاتها حتى قال لي أنها تعمل الأكلات العربية له باتقان بينما هي لا ترغبها كثيرا. بقيت أياما ثم جاءني الطلبة وأخبروني عن فرقة ثمر خيل وحاميتها، وكان المجاهدون قد فتحوها من قبل، لم أكن أدرك حقيقة الأشياء وكنت اعرف صورتها، وشتان بين الحقيقة وصورتها، شعرت أني ولدت من جديد، وأصبحت في عالم استجمع به أفكاري ونفسي، لم أكن أعلم ما سأفعل فأنا قادم على مجهول وليس عندي تجربة في ذلك ... تذكرت أن معي كمرة فقلت أذهب للتصوير إلى الفرقة التي فتحت في بوابة جلال أباد أسفل جبال ثمرخيل"جبل قباء"ثم تقدمت مع الطلبة الأفغان، فمشينا مسافة طويلة على الأقدام، كان معنا مجاهد أفغاني اسمه عصمت الله نور يمشي معي وبقيت حقيبتي هناك لم نأتي بها، وكنت مضطر إليها، فعاد هذا المجاهد الشهيد الى ذاك المكان وكان يبعد عنا أربع ساعات فأتى لي بالحقيقة وكان يحملها على ظهره.