لم يكن الزرقاوي عالة على أحد، وقد حاول عدة مرات القيام بأعمال للترزق منها فقام مع صديقه أبي القسام بفتح محل خضار، وكان ذلك في حي النصارى قرب مسجد عثمان بن عفان في الزرقاء، كان الموقع جيدا، ولكنه لم يكن مناسبا لهما، لم يطق وصديقه البقاء في المحل فتركاه بعد مدة وجيزة، وذلك لكثرة ما يروا من معاصي في تلك المواقع، كان الشارع عبارة عن معرض أزياء وأجسام. يأتي عليه بعض معارفه وأصحابه فيروه واضعا ذقنه على يده وجالسا، يقارن بين ما كان وما صار إليه، وتجول الأفكار في خاطره ويساءل نفسه كيف يدعوا للإسلام وما الخلاص والطريق وأين المفر؟
أثناء استراحة المجاهدين الجهادية، اعتاد المجاهدون زيارة أصدقائهم في بيشاور، ليروحوا عن أنفسهم ويتزودوا من جديد، كان بعضهم يأتي من الجبهات للعلاج، والبعض ليزودوا المجاهدين بما يحتاجون، ومنهم من ... يأتي ليطمئن أهله أويطمئن عليهم، ليستروحوا ويستريحوا في استراحتهم الجهادية قليلا من عناء الجهاد والجبهات، فهناك من المجاهدين من أمضى مرابطا شهورا طوالا في الجبهات، قد جدد حياته بالجهاد وصقلها، بل هناك من بقي أربع سنوات في الجبهات لم يأت إلى بيشاور، وذلك لشدة تعلقه بالجبهات مثل الشهيد القائد ابو معاذ الخوستي، والشهيدان أبو المنذر المكي وأبو الحسين المدني أميرا العرب في قندهار وغيرهم، وكذلك منهم من رابط مدة طويلة مثل بعض المجاهدين العرب في شمال افغانستان، كشباب فارياب، وكان أميرهم الشهيد أبو الجنيد العراقي رحمه الله، وقد قتله الروس صبرا-أسيرا في سجونهم- في الشيشان، إضافة الى بعض المجاهدين العرب الذي مكثوا في مناطق مسعود فترات طويلة، واستشهد بعضهم هناك. وهناك جنود مجهولين استشهدوا لا نعرفهم ولا يضيرهم ألا نعرفهم فالله تعالى يعرفهم.
في غرفة ضمت ثلاثة مجاهدين إثنان منهم قد تزوجا، أحدهما دكتور سوري وآخرصاحب لي أردني، وكانت تربطهما بي علاقة صداقة، بدأت تقوى وتتجذر بشكل متماسك، حيث بدأ حديثا عن الزواج أداره المتزوجان ثم وجهت لي سهام الزواج، وبدأ الحديث من جانبهم عن زواجي وضرورته للمجاهد، وذكرا لي أنه قد حان الوقت لزواجي، ولم يبدو لي أن الموضوع طرح بصورة عفوية!! ثم ألحا عليّ التفكير بموضوع الزواج بشكل جدي وإعطائه اهتماما حقيقيا. وقد رأوا على صاحبهم عدم اهتمامه بفكرة الزواج لانشغاله التام بتغطية الأحداث في الجبهات لمدة طويلة، ربما تأخذ بعض جولاته فترة طويلة داخل الجبهات، والتي كانت مادتها الجماجم والدماء والاشلاء تلك التي تذهل المرء وتنسيه نفسه. أرادا لصاحبهما كمال الدين في الجهاد بالزواج، وقد كانا يتشوقان لمجيئه ورؤيته ودعوته فيستجيب لهم بعد طول جهد وعناء. كان جواب صاحبهم أنني أمرء كبقية البشرأرغب بالزواج، ولكنني أود الزواج من إمرأة تعرف قيمة الإصابة والجراح في الجهاد وتتواضع لذلك، وتقدرها بل تفتخر بزواجها من رجل به أثر جهاد. وانطلق صاحبهم في حديثه مع صاحبيه من سمو النفس والفكر اللذيّن يحملهما، فهذا الطراز الذي يطلبه من النساء رفيع ويعز مثله في النساء، وانتهى المشهد عند ذلك الفصل، ثم شغل صاحبهما عنهما بالجهاد، ولم يدر في خلده أن الأمور تجري بالمقاديرواللطف على أفضل مما يتمناه، وأنه سيكون