منعها، كنا بعض الأحيان نمنع من المسير بتلك المناطق الحدودية في باكستان وذلك لوجود معارك مشتعلة بين القبائل والجيش الباكستاني ..
ترى الحيوية والنشاط والناس يتدفقون من تلك المعابر رجالا ونساء ذهابا وإيابا الى أفغانستان، تراهم يمشون بصمت، والمسير من تلك المعابر كان امتحانا عسيرا لي. ففي كل مرة أدخل فيها أفغانستان، كنت أسير وتحدثني نفسي بأنهم سيعيدوني من حيث أتيت، كانت نظراتهم تتابع المرء حيثما كان، وكانت تسابقني الهواجس والخواطر مع تسارع الخطوات ونبضات القلوب ... كنا نسير معا ونتكلف عدم النظرونتوقع توقيفنا، وأنا أسير أمامهم كنت أشعر في كل مرة أدخل فيها أفغانستان أن عيونهم علي وحدي في المعبر رغم وجود أناس كثير في المعبر يسيرون مشيا على الأقدام في بداية ذهابي كان هناك بعض الأفغان يوصلوني إلى الحدود ثم عزمت المسير وحدي لأفغانستان وكان الصمت مع الأفغان هو رفيقي في سفري .. في المعبر كنت أسير وابذل جهدي في المسير، محاولا التكلف بأنني أفغاني، وكان في هيئتي وشكلي ما يشبه الأفغان، وقد قيل لي مرات عديدة انك أفغاني تشبه أهل بروان .. كنت أسارع الخطى وأشعر أن الطريق يكاد يعود بي الى الوراء ثم تنظر فإذا بك قد دخلت. حين دخلت مع الطلبة ودخلنا الحدود قال لي الطلبة بالبشتو"البختو"،"بروا ني"أي"ليس مشكلة"يعود النفس للقلب وتبدأ الحياة من جديد، فهو وقت ضائع عشته في رحلتي، فما مر علي، إن هو إلا نقطة في بحر لكن تطمئن نفسي أنني في أفغانستان.
وتطمئن حين ترى حال الطلبة والمجاهدين فتتذكر قول سيد قطب فيهم:
إذا كنت بالله مستعصما ... فماذا يضيرك كيد العبيد
أخي إنني ما سئمت الكفاح ... ولا ألقيت عن كاهلي السلاح
فمن للضحايا يواسي الجراح ... ويرفع رايتها من جديد
فإن أنا مت فإني شهيد ... وأنت ستمضي لدرب جديد
دخلنا حدود أفغانستان ثم توجهنا الى مراكز المجاهدين في طورخم فزودونا بالسلاح ثم مضينا نشق عباب الطريق سعيا وتراودنا الأفكار والأحلام والآمال، لم اكن اعلم شيئا، ولا أعرف ما هو قادم، كل ما أعرفه أنني أسير باتجاه الجهاد والمجاهدين والجبهة.
بعد أن تعبر ذاك المر تشعر بجمال أفغانستان، وأما باكستان فكنت أشعر أنها سوداء قاحلة جافة، وما إن أدخل حدود أفغانستان حتى أرى الجمال وأشعر بالطمأنينة والسكون والصفاء، كان هذا حالي حينما ادخل أفغانستان في كل مرة، إذ كنت اشعر بروح الحياة المتجددة بعبق الشهادة والشهداء، واشعر بالسناء والصفاء بعمق أوتاد الجبال الراسيات، كانت النفس تعبق ريحانا وروحا. كنت اشعر أن الله يرعى هؤلاء الأفغان ويدبر أمورهم، فهم شعب جبار بما تحمله الكلمات من معاني، فرجالهم أفذاذ الرجال، ونساؤهم كالرجال في تحمل المشاق والمصائب، وأطفالهم كهول في بلائهم، يمشون في شوارع بيشاور وحياة أباد، حيث يسكن العرب فيتعلمون العربية وقد طرقوا حياة أباد بحثا عن شيئا يقوتهم، وأحيانا يتسولون لدى العرب فتجد الطفل الأفغاني يمد يده ويتسول بالعربية، بل بعضهم