فهرس الكتاب
ولو استيقنا حقيقة من أعماقنا، أن الله أقوى من اليهود ما وصلنا إلى هذا المستوى الحضيض الآسن في مستنقع الذل.
كان المجاهدون يبدأون برامجهم في الثلث الأخير من الليل، ويبذلون جهودهم ليقوموا بالحراسة في هذا الوقت، كي لا تضيع عليهم كنوزا عظيمة وفرصا ثمينة، يتوخونها في هذه الأوقات الذهبية بحذر وحرص، وذلك حتى يقوموا بتأمين مستقبلهم المنشود في الآخرة، كانوا يحرسون الليل ليذكروا الله تعالى كثيرا، وينالوا الأجر، ويتحينوا الأوقات التي تنزل فيها رحماته سبحانه وتعالى، فالله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول (هل من داع فاستجيب له هل من مستغفر فاغفر له) يلتمسون أوقات الإجابة ليستجاب لهم، فكم من شهيد دعا الله في جوف الليل بالشهادة فاستجيب له ... وكم من شهيد دعا الله في الصيام بالشهادة فاستجيب له ... وكم من شهيد دعا الله في الحراسة بالشهادة فاستجيب له، كانوا يعلمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل الذي حرس ليلة واحدة في الشعب، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: هل نزلت قال: لا يا رسول الله إلا مصليا أو قاضيا حاجة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أوجبت لا عليك ألاّ تعمل بعدها ... ويعلمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبين فيه ما للمؤمن المهاجر والمجاهد حيث يقول صلى الله عليه وسلم (أنا زعيم- والزعيم الحميل- لمن اسلم وهاجر وجاهد ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وبيت في أعلى غرف الجنة ... من فعل ذلك، لم يدع للخير مطلبا، ولم يدع للشر مهربا يموت حيث شاء أن يموت) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. . . كنا نحرس في شق قريبا من كهفنا، بها دشكا تكشف جبال طورغر الكبير والصغير، كنا نقرأ القرآن، فبعضنا حفظ البقرة وآل عمران في موقع الترصد، كان كثيرا منا من يحفظ كثيرا من القرآن، وربما بعضهم حفظ القرآن كاملا، بعض المجاهدين لشدة صمتهم، لا يبوحون بذلك إخلاصا لله تعالى، فنعلم كم يحفظون، حينما نسمع مراجعتهم للقرآن، كان الإخلاص ديدنهم وسرهم في عبادتهم لله تعالى، يقومون الليل خلسة كي لا يشعر بهم أحدا، يذهبون ويصلون في مواقع شتى حتى لا نراهم، كانوا يعلمون أنه لا بد للمرء أن يكون له أسرار في عبادته مع خالقه فلا يعرفها ألا الله تعالى، كان المجاهدون نشطون يبدءون بجدول الحراسة بعد نهاية طعام العشاء، ويقومون بتسجيل أسماء الحراس، نراهم يتسابقون في الوقت الذهبي للحراسة في الثلث الأخير من الليل، فيضفر به القليل مع أن معظمهم يريد ذاك الوقت للحراسة، يتسابقون فالشهيد أبو معاذ الخوستي يتحدث فيجيبه الشهيد أبو محمد التبوكي ويعلق على قوله الشهيد ربعي الجزائري، وينصت لهم الشهيد أبو احمد عزام طارق صحي، وهكذا يحدثهم الشهيد عكرمة فيخاطبه القائد أبو الحارث، يقوم الشهيد أبو معاذ الخوستي ليقطع الشجر فيعينه الشهيد ابو العباس الحائلي، لقد كنت أرى المجاهدين كخلايا النحل كلها ملوك من المجاهدين، يصلون ويتعبدون فتساورهم الهواجس والشكوك والأمل يحدوهم لتحقيقه فيسائل المجاهد نفسه: يا ترى هل منا من شهيد؟ تنظر إلى الشهيد أبي العباس الحائلي فتراه صامتا يقوم بتنظيف أواني الطعام، فينظر إليك مبتسما، لم أرى أجمل من تلك الابتسامة كانت ابتسامته فيها حياء، ترى أحيانا