فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 619

إِذْ عِندما أُشيعَ مَقْتلُ النّبي صَلّى الله عَلَيهِ وَ سلَّمَ فِي مَعْرَكةِ أُحُد اخْتَلَف الصَّحَابَةُ في المَيدانِ حَولَ كَيفيةِ اسْتقبَال الحَدَث وَ طَريقَةِ التَّعامُلِ مَعَه فَانبَرى لَهُم أنَس بُن النظرِ رَضيَ الله عَنْهُ مِثالًا للثّباتِ فِي طَريقِ الجهاد وَ الصَّبرُ عَلى لأوَاءِهِ حِينما مَرّ عَلى قَومٍ ممّن أذْهَلَتْهُم الشَّائِعةُ فَقَال: (ما يُجْلِسُكُم؟!!) قالوا: (قُتِلَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم) ، فقال: (يَا قومِ إِنْ كَانَ محمدٌ قد قُتِل فِإِنّ ربّ محمدٍ لِم يُقْتَل وَ مُوتُوا عَلى مَا ماتَ عليه وَ قَالَ اللهُم إِنّي اعْتَذِرُ إِليك مما قَالَ هَؤُلاءِ وَ أبْرَأُ بِكَ مما جَاء بِهِ هَؤلاء) .وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُه تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران144] .

فتَمسُّكنا وَ تَعلُّقَنا إنّما يَكُونُ بِدِينِنا وَ تَوْحِيدِنا.

قال ابن القيّم رحمه الله: (إِنّ غَزوة أُحُد كَانَت مُقَدِّمةً وَ إِرهَاصًَا بين يَدِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وَ سلّم، فَثَبّتَهُم وَ وَبخَهُم على انْقِلابِهِم على أعْقَابِهِم إِن مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليهِ وَ سَلّم أو قُتِلَ بَلِ الوَاجب لَهُ عليهِم أنْ يَثْبتوا على دِينِه وَ تَوْحِيدِهِ وَ يَمُوتُوا عَليه أَو يُقْتَلوا فَكُلُّ نَفسٍ ذَائِقَة المَوت) انْتَهَى كَلامُهُ رَحِمَهُ الله.

وَأنا وَ إِنْ كُنْتُ وَاثقًا بإذنِ اللهِ أنَّ قَتْلَ هذا القَائِدِ الحبَيْبِ لَنْ يَزِيْدَ إِخْوَانَهُ وَ اتْبَاعَهُ إِلا تَمَاسُكًا وَ تَرَابُطًا وَ إِقْدَامًا وَ ثباتًَا عَلى المنْهَجِ، إِلا أنّني أوجّهُ هَذِهِ الرّسالةَ تأسيًّا بِدرسِ"أُحُد"وَ تَذْكيرًا بِهِ فَأقَول:

قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيه أَبو مُصعَب رَحِمهُ الله وَ عَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَ يَجْعَل الله فِيهِ خَيْرًَا كَثِيرا.

ثُم هِي رِسالةٌ إِلى أعْدَاءِ الله صَلبيّينَ وَ صَفَويّينَ وَ مُرْتَدين؛

إِن اسْتِشهادَ هَذا القَائِدَ لَنْ يُغيّرَ فِي سَاحَةِ المُواجَهَةِ فِيْ شَيءٍ بَلْ سَيَزِيدُهَا قُوّةً وَ شَرَاسَةً وَ إِنّ هَذَا القَائِدَ قَعّد قَوَاعدَ وَ أرْسَى أعْمِدةً وَ لَنْ يَكُونَ فَقْدُهُ عَامِل ضعفٍ بل سَيكونَ رَمزًا يَقْتاتُ المجاهِدُونَ مِنْ سِيرتِهِ وَ ثَباتِهِ وَ شَجَاعتِهِ وَ قِتالِهِ وَ قَتلِهِ مَا يُغني عَن وُجُودِهِ بِإذنِ الله وَ سَتشهَدُ الحُكُومَة العمِيلةُ وَ القُوّاتُ الصّليبيةُ حَقيقةَ ذلِكَ، وَ سَتُدْركُ تَمامًا هَذهِ الرّسالةَ فِي قَابِلِ الأيّامِ فَلَنا مَعَهُم صَوْلاتٌ وَ جَوْلاتٌ يَتذوَّقُونَ فِيْها مَرَارةَ القَتْلِ وَ يَتجرَّعُونَ كَأسَ المَوتِ وَ يَجُرّونَ أذْيَالِ الهَزيمة.

أنْ يَحْفظُوا لهَذا القَائِدَ مَكَانَتَهُ وَ أنْ يُربُّوا جِيْلَهُم عَلى مَواقِفِه وَ جِهَادِهِ وَ رُجُولَتِهِ فَهُو الّذِي ضَحّى وَ بَذلَ وَ أعْطى وَ مَا بَخِلَ، تَرَك الأهْل وَ الوَلدَ قَاطِعًا الفَيافِي وَ المسافَاتِ، يُدَافع عَنْكُم وَ عَن حَرَائِرِكُم وَ عَنْ دِينِكُم.

وأخِيْرًا فإِنّ مجلسَ شُورى المجاهِدينَ فِيْ العِرَاقِ بِكُلّ فَصَائِلِه وَ بجمِيعِ قِيادَاتِهِ وَ جُنْدِهِ يبَشّرِ الأمّة و يُؤكّدُ لها أنّ فَقدَ أحدِ أعضاء هذا المجلِسِ المُباركِ لَنْ يَزيدَهُ إِلا قُوةً وَ تَمَاسُكًَا وَ لنْ تَرَى الأمّةُ مِنْهُ إِلا مَا يَسُرُّها في جِهَادِهَا وَ لَنْ يَرى عَدوّنا إِلا مَا يَسُوءُهُ بِإِذنِ الله فإِما حَياةٌ تَسرُّ الصّديقَ و إِما مماتٌ يَغِيظُ العِدَى، أَو قُلْ فَإِمّا مماتٌ يَسرُّ الصّدِيقَ وَ إما حَياةٌ تَغيظُ العِدَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت