فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 619

فما لكم الى الدنيا راكنين وبحبلها الواهي مستمسكين

كنت ذاهبا الى المقدمة فرأيت سيارة إسعاف المجاهدين قد توقفت بجانبي، كان بها الشهيد القائد أبو مصعب الزرقاوي وآثار الحزن بادية عليه، سألته فاخبرني أن معه أبا البراء المقدسي عزام امين جرّار. بداية ظننته جريحا، فلم أرد أن اكلمه ثم انتبهت الى رجليه فاذا باصابعه معقودة، لم يخطر ببالي شهادته، فاستفسرت من أبي مصعب مستغربا؟ فقال لي استشهد، صعدت اليه وأخذت له صورة، ثم رجع معه ابو مصعب ليدفنه مع إخوته المجاهدون في الخطوط الخلفية بمركز خليل شقيق الشيخ جلال الدين حقاني. كان الشهيد أبو البراء يحب الشهيد أبو أحمد الإنصاري الإيراني وكان من أهل السنة. لم يحزن على فراق احد كما حزن على فراقه أخيه الأنصاري , وقد رثاه أبو البراء بابيات شعر جميلة كانت موجودة في كراسته:

وكم رجل يعد بألف رجل ... وكم ألف تمر بلا عداد

كما أهدى قصيدة لأحد أحبته في الأردن حيث قال فيها:

حان اللقاء وشاءت الأقدار ... ودنا الإياب وفضت الأسفار

رنت القلوب لناظريك وأشرقت ... مهج النفوس ورقت الأشعار

ونسائم الأشواق قصد سبيلها ... ميل إليك وهمهن مزار

جاءنا إلى المجلة بعزة المجاهد، كان يتكئ على أريكة، صامتا وحين تنظر إليه، تحس أنه ليس من أهل الدنيا، كان عيونه تنبئك بما فيه. كان رجلا ماهرا الرماية ومتقنا على راجمة الصواريخ (بي أم 12) ذا أدب جم وحياء شديد، يحفظ اكثر من عشرين جزءا من القرآن، وشديد التواضع ويكره أن يتولى إمارة اخوته في موقعه, ويقول: لا احب أن آتي يوم القيامة ويدي مغلولة إلى عنقي. استشهد يوم الثلاثاء 25\ 12\1990 أثناء إعداده لإحدى القذائف بخطأ قد ارتكبه أحد المجاهدين، فانطلقت القذيفة لتصيب جنبه إصابة قاتلة ... قال أحد الاخوة المجاهدين حين دخل عليه في الغرفة وهو شهيد مسجى:"أنه شم رائحة طيبة فور دخوله", وقد حاول سمرقند الأردني أن يغلق عينيه مرتين فلم تغلقا وقد كتب في وصيته:"إخوتي في الله الجنة تناديكم وسحر العبير فيها يدعوكم , فما لكم إلى الدنيا راكنين وبحبلها الواهي مستمسكين؟ وقد علمتم أنها لا تدوم لأنسان, وإنها لو دامت لكم لدامت لمن قبلكم , فتحرروا من أسرها, وحطموا قيد رقها, وكونوا لها رافضين, وعلى الآخرة مقبلين, ولا تغتروا بزخرف الدنيا ونعيمها فما هي إلا كالشهاب يحور رمادا بعد أن كان يملأ الدنيا نورا وضياء".

ولقد أحب الشهيد أبو مصعب الزرقاوي الشهيد أبا البراء وتأثر به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت