استقى كثير من أبناء أمتنا زيف ادعاءات الغزاة الطامعين وغرتهم أحلامهم وأمانيهم، فلبسوا مسوح افكارهم المستوردة ومضامينهم الدخيلة، حتى تجردوا من ثقافة الإسلام وحضارتهم الأصيلة، وفقدوا مقومات حياتهم. نسي أهل الإسلام - الا من رحم الله -حضارتهم النبيلة وإرثهم التليد حتى بدءوا من الصفر، وأصبحوا حقول تجارب للآخرين ومزارع للتسمين والتدجين ... فقدنا تلك الحضارة العظيمة التي ورثناها عن سلفنا الصالح، وعظماء أمتنا كابرا عن كابر. تلك الحضارة التي"أخرجت الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". كان الناس يرهبون حضارتنا ولا يزالون. فتح الله بلاد الدنيا بحضارة الإسلام حتى وصلت مدنية المسلمين إلى أوربا المتخلفة-تقدموا بتخلفنا- ودخل الناس في دين الله أفواجا ... لقد قدم لنا آباؤنا الإسلام على طبق من ذهب ... ولكن زهد الأبناء حين تخلوا عن إرث الآباء، فأعطوا الدنية في دينهم، ودخل على أهل الإسلام من ليس منهم:
ملكنا هذه الدنيا القرونا ... وأخضعها جدود خالدون
وسطرنا صحائف من ضياء ... فما نسي الزمان وما نسينا
رضي أبناء أمتنا التلقي من مصادر عديدة، وكانوا أزهد ما يكونوا بدينهم بكتاب وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وثقافة الإسلام عموما وذلك حسب سلوكهم العملي وتوجهاتهم الفكرية. وأدى إلى تكون لدى المسلمين ثقافة مغشوشة وإسلوب مهترء، تلك الثقافة التي أريد لأبناء الإسلام أن ينشئوا عليها، بعيدة عن مقاصد الشريعة وشموليتها .. حتى أصبح خطاب كثير ممن يحسب على أهل الإسلام، ليس من موروثهم الديني والعقائدي، إنما غالب خطابهم مما جادت به قرائحهم مع خلط بالدين، ويحسبون أنهم مهتدون. قاموا بتزوير الدين على أعلى المستويات، وقد أخذ الله العهد والميثاق على العلماء بقول الحق وعدم كتمه، فأصبح جنود أبليس يزورون الدين، ويعطون من هم ليس أهلا للدين الأهلية، حتى صار أولئك المتمسحين بلواء الإسلام أهل الإسلام، بينما أهله الحقيقيون فهم إما تكفيريون وإما خوارج حسب فهم مرجئة العصر. بينما في الإسلام"الجماعة أن تكون على الحق ولو كنت وحدك"كما بين الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .. لقد أعطوا الشرعية لمن هو ليس بشرعي، وبرروا الظلم والذي يحوي كفرا وفسقا وظلما تحت عناوين واسعة في الشريعة، فلبسوا على الناس فضلوا وأضلوا ... أصبح لا يوجد عندهم انتماء لميراث حضارتنا الإسلامية، وضاع مفهوم أمانة الدين والعقيدة بين تصورات الناس وأهوائهم .. ذلك المفهوم الذي أبت السموات والأرض أن تحمله وأشفقت منه، وقام الإنسان بجهله وظلمه بحمله .. ذلك المفهوم الذي يتمثل في توحيد الألوهية واستحقاق الله سبحانه للعبادة، وهي الخصيصة التي كانت محل خصومة الرسل مع أقوامهم (ألا له الخلق والأمر) (إن الحكم إلا لله) (أن اعبدوا الله مالكم من اله غيره) أصبحت هذه المفاهيم مسيسة لا تفهم حسب أصولها لتنزل على أرض الواقع، إذ لم تكن خصومة الأنبياء وأقوامهم في توحيد الربوبية، ولا الأسماء والصفات، فالكل مجموعون على ذلك تقريبا، ولكن كانت خصومة الأنبياء مع أقوامهم في توحيد الألوهية الذي يقوم على منازعة البشر لسلطان الله تعالى في الأرض .. (وهو الذي في السماء إله وفي الإرض وهو الحكيم العليم) ، أصبح لا قيمة لهذه الكليات عند الناس إلا كقيم تراثية يعتز بها في متاحف الذاكرة والتاريخ، أما في واقع الحياة