فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 619

أفغانستان، أوقف السيارة فقلت له:"لماذا وقفت"، فقال:"نريد ان نجمع صلاة الظهر والعصر"قلت له:"نصلي في المعسكر"قال:"لا، نصلي هنا"،فقلت له:"أريد أن اصلي في المعسكر"فقال:"والله لا أتحرك من هنا حتى أصلي الظهر والعصر جمعا"، فقلت له:"صل وحدك"، فصلى وحده، وبعد صلاته دعا دعاء طويلا، فقلت له ما هذا الدعاء الطويل قال: هذه حلاوة العبادة والطاعة والإيمان ثم قال:"باسم الله"، وانطلقنا ثم دخلنا الحدود الأفغانية وكان ينشد:

زلزل زلزلي جنود الفدا ... عرش الباطل دمر وجلجل

اهتف بهم ونادي هل من منازلي ... فحب الشهادة في القلب نازل

ردد هذه الأنشودة مرات عديدة وبقي ينشد فنظرت إليه وهو ينشد، وقلت بنفسي:"إن أبا محمود غير طبيعي"،وبدأ قلبي يشعر شعورا آخر، وازدادت مساورة الهواجس لي، فتصنعت النوم في السيارة وهو سائق، أيقنت أن شيئا ما سيحدث له، لم يكن جوه طبيعي. وفجأة وقفت السيارة، فانتبهنا فوجدنا السيارة قد أحاط بها ملثمين، سحبت الأقسام للرماية عليهم، فقال لي:"لا ترمي عليهم مصلحة المعسكرأولى، وسنتفاوض معهم"،اقتربوا من السيارة وسحبوا الأقسام وضربونا على رقابنا من الخلف فأغمي علينا ثم وضعونا في السيارة من الخلف، وساروا بنا وقد وجهوا السلاح علينا. مشوا بنا وأثناء الطريق كان أبو محمود يقول لهم:"ماذا تريدون منا، وإذا كنتم تريدون فلوس نعطيكم، وإذا أردتم السيارة نعطيكم إياها، فماذا تريدون".كان أحد قطاع الطرق يتكلم عربي وقد عمل بالإمارات، ويترجم لهم ما يقول أبو محمود، قبل المعسكر بمسافة قليلة كان هنالك شارع فرعي، أرادوا أن يوجهوا السيارة إليه، فوقفت السيارة، لمرات عديد ةكانو إذا أرادوا أن يمشوا باتجاه المعسكر كانت السيارة تشتغل، وإذا أرادوا أن يسيروا بالطريق الفرعي تتعطل فعلوا ذلك مرات عديدة أربع أو خمس مرات، ثم بعد ذلك قال لي أبو محمود:"انزل من السيارة"،ونزل الطاجيكي وأثناء سيرنا ببطيء وإذا بهم يرفعون السلاح، أراد أبو محمود التفاوض مع أحدهم فاشتبكا سويا، حاول أبو محمود أخذ السلاح من أحدهم، وقال لي اهجم فرفع أحد الملثمين السلاح عليّ وكان قريبا مني، وتأخر أحد الملثمين الآخرين عن أبي محمود فرماه بطلقة أصابته أسفل فكه وخرجت من خلف أذنه، فأحدثت فجوة في رأسه من الخلف واستشهد، ثم بدءوا يتراجعون شيئا فشيئا، كان هناك حفة لوادي فنزلت بها وأنقذت نفسي منهم ثم استطاع الأفغاني الذي معنا اخذ السيارة فأشر لي وأثناء سيرنا في منحدرات الجبال قطعت فرامل السيارة، ولم يدر ما يفعل السائق الأفغاني، فسألني فقلت له: اصدمها في حفة الجبل فصدمها ثم وقفت، وانقلبت السيارة بنا أربع قلبات ثم ذهبت إلى المركز حافيا اركض ولما رآني أبو زيد العراقي، صاح على أمير المركز:"أن أبا عبد الله غير طبيعي"فأرسلوا قوة ليأتوا بأخينا، وثم جاء به أفغان آخرون. ثم ذهبت معه إلى بيشاور. كان السائق الباكستاني خائفا، وضعنا الشهيد أبو محمود كهيئة الجريح، وأجلسناه فأسندنا ظهره للسيارة، كانت هيئته كهيئة النائم، لا تحسبه انه شهيد، في البوابات الباكستانية وعلى معابر الطرق، كنا نقول لهم أنه"زخمي"أي جريح، وحين كنا نقول للباكستانيين"زخمي"يفتحون لنا الطريق بسرعة، ولا ينظرون نظرة تؤخرنا، وطوال الطريق والسائق الباكستاني يقول لي:"أنا أشم رائحة جيدة"،وكذلك:"كنت أشم رائحة المسك طوال الطريق، ولكن لا أريد أن أتحدث مع السائق في موضوع أخي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت