فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 619

ونساؤهم الصابرون، كان الصبر والجهاد زاد حياته من ليكون أهل الخلود، تعالت نفسه على زينة الدنيا وزخرفها، فتعلم كيف يعيش العظماء ويقضوا شهداء، سلك سبيلهم واقتفى أثرهم، كان معلما للشهداء واستاذا للمجاهدين، وقائدا لعاشقين دروب الجهاد والكفاح، تعلم في الجهاد أن الموت الذي لا تدنيه المعارك ولا يباعده الجلوس على الأرائك كان في منازل"مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ومثير الغرام إلى دار السلام"، قضى قرابة سبع وعشرين سنة من عمره البالغ خمس وأربعون سنة وهو يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يأته الموت أو القتل الا حين جاء الأجل، قدم نفسه لله رخيصة وتعالى عن حطام الدنيا الفانية

ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف من الحمام

لم ييأس في ظروف المرحلة المتقلبة، بقي مجاهدا ومصابرا حتى نال أمنيته، كنت أقول له:"لماذا لا تذهب للأردن: فيقول لي لا يوجد معي جواز سفر"لكنه لو أراد لفعل ونزل إلى الأردن، إذ لا يستطيع هذا البطل أن يعيش بعيدا عن عشه فهو قد علم أن أفغانستان هي أرض المراحل، وأرض الجهاد وأرض الفرج وما بها من بلاء ما هو إلا سحابة صيف تزول وقد زالت، لم يطق البعد عن أرضه التي أحب وبلاده التي نزل بها دمه من قبل، فقد شق طريقه من خلال المصائب وآلالام والبلاء وركب أمواج الجهاد والمغامرة:

لا ينال العلا من قدم الحذرا ولا يبلغ المجد من لم يركب الخطرا

لاتحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

لقد لعق الصبر لعقا، فكان صبورا وخلوقا مهذبا.

نشأ في بيئة محافظة منذ نعومة أظفاره حيث تربى على معاني الإسلام والتزامه في الحياة منهجا وسلوكا، شب الصبي على معاني الإسلام الجميلة في بيت أدب ودين وتربى تربية صالحة حيث حرص والداه على تنشئته نشأة أيمانية منذ سني عمره الأولى، فقد تربى على حب الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما هو حال كثير من الأسر السورية عموما في التزام الإسلام والتربية على منهجه، نشأ الصبي في رحابيت الله حيث تعلق قلبه وارتبط في المسجد قبل السادسة من عمره، فاصبح المسجد في سويداء قلبه ومكانه الذي يتنفس منه حياة الإيمان وعشه الذي لا يستطيع العيش بدونه، كانت آيات الله تعالى تطرق مسامعه فتصنعه حين يقرأ القرآن، وتصهره معاني الأخوة في بوتقة الإيمان، فغدا بن"مسجد الخير"، بيئته التي نشأ بها كانت مهيئة للتربية الإسلامية وتعلق بتلك البيئة الطيبة بعيدا عن ترهات الصوفية وخبالها التي في محيطه القريب تعشعش.

كان لعائلة الطباع سجل حافل في نصرة الدين والجهاد في سبيل الله تعالى فقد ساهمت عائلته في قتال الفرنسيين حين جاءوا إلى بلاد الشام، فقاتلهم أهل الجهاد والبطولة والفداء، وكان لعائلته دور في الدفاع عن أراضي المسلمين. الشهيد محمد الطباع عم الشهيد رضوان الطباع حين ذهب للجهاد كتب على منبرمسجده عبارة:"أودعت في هذا المكان شهادة أن لا اله الا الله محمد رسول الله"وقد ذيلها باسمه وتوقيعه وتأريخ يوم شهادته، لم ينتبه جد رضوان لهذه العبارة المكتوبة على المنبر الا بعد شهر من شهادة ابنه عم شهيدنا رضوان. كانت البيئة في تلك الفترة حاضنة للجهاد والظروف مهيئة لشحن الناس تجاه الجهاد. المراحل التي مرت فيها أمتنا كانت تساهم في صناعة نماذج فريدة من الأبطال حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت